خلفيات ميلاد خطاب الكفايات - موقع الأستاذ

728x90 AdSpace

آخر المستجدات
الاثنين، 21 يوليو، 2014

خلفيات ميلاد خطاب الكفايات

خلفيات ميلاد خطاب الكفايات
بقلم ذ. الحسن اللحية
خلفيات ميلاد خطاب الكفايات
من العمل إلى الشغل 
ميلاد الكفاية
1- ملاحظات وأسئلة
هناك أكثر من سؤال يطرح لقارئ الميثاق الوطني للتربية والتكوين[1]، ولعل من أهم الأسئلة نجد ما يلي: لماذا هجرت مفاهيم اقتصادية إلى الميثاق وغزت مصطلحات من مجالات التدبير المقاولاتي والاقتصادي لغته مثل: المهنة والتمهين والجودة والتقويم والتنافسية والشغل والمهارة التقنية والمهنية والتأهيل المهني والتكوين المهني وسوق الشغل والعامل والعاملة....، وغيرها من المفاهيم الأخرى ذات الصلة بهذه المجالات ؟، بل تتعمق أسئلة الباحث والدارس أكثر حينما سيجد أن هذه المفاهيم والاصطلاحات ترتبط ارتباطا جوهريا وأساسيا ومركزيا بلفظ ذائع الصيت اليوم هو الكفاية الذي تسلل إلى الميثاق الوطني للتربية والتكوين ليشكل الخلفية الأساس والأرضية الفلسفية والإيديولوجية للنظام التربوي والتعليمي والتكويني للميثاق الوطني دونما أن يعلن على هذا التبني الواضح لهذه الفلسفات والإيديولوجيات لعوائق شتى ترتبط بالثقافة والتاريخ و وهم الخصوصية وثقل الماضي. قلنا تسلل هذا المفهوم في غفلة من الباحثين المهتمين بقضايا التربية والتكوين والبيداغوجيا[2]، و خلسة من المشاركين في أشغاله، ونقصد بكلامنا هذا مضامين الزيارات التي احتوت على تقارير مغايرة لنظامنا التربوي التعليمي ومداخلات الوزراء وشبكات الخبراء[3]؟.
لا نجادل في أهمية التبني الرسمي لبيداغوجيا تعين نفسها باسم رسميا؛ إذ من حسنات هذا الإقرار الرسمي ببيداغوجيا الكفايات الاعتراف بوجود مجاز بيداغوجي ساد المغرب منذ الاستقلال إلى 1999، بل إن أهمية هذا الحدث التاريخي يتمثل في الدعوة لتقييم أداء ومردودية النظام التعليمي المغربي، وتحديدا بيداغوجيا الأهداف التي خلقت حولها مراكز نفوذ و مجموعات ضغط و مراكز استفادة رغم أنها لم تكن بيداغوجية رسمية كما يبدو ذلك من خلال وثيقة إصلاح النظام التعليمي الصادرة في شتنبر1985 [4]. ونعتقد من جهتنا أن الدعوة لتقييم هذه البيداغوجية مازالت ملحة لأن ما سقطنا فيه آنذاك لا يختلف عمن ظن أنه اكتشف الطريق إلى الحرير. ولكي لا نسقط مرة أخرى في التصورات التقنية نرى لزاما، في إطار هذه الدعوة، الإجابة على الأسئلة التالية: ما الأرضية الفلسفية لبيداغوجيا الأهداف؟ وأي نموذج للإنسان ساهمت في تكوينه؟ ولماذا حصل آنذاك أن تخلت الدولة عن الجانب البيداغوجي لسلطة أفراد وجهات؟ و ما مدلول استدراك الدولة لهذا الجانب في الميثاق الوطني للتربية والتكوين اليوم؟ ...إن الإجابات غير متعسرة ولا مستعصية لوجود ما يكفي من تراكم العاطلين بالشواهد ولعزلة المدرسة عن محيطها العام والخاص وتخلفها عن التطورات الحاصلة في المحيط، و لارتباطها المباشر أو غير المباشر  بصناعة الإرهاب(معدل سن الإرهابيين في أحداث 16 مايو وما تلاها من أحداث يظل دالا ومعبرا).
 وفي مقابل ذلك يجدر بنا أن نتساءل ما إذا كان الإصلاح الحالي (أقصد هنا الميثاق الوطني) الذي ورط الجميع ودعا إلى توريط الجميع: السياسي والنقابي والباحث و الأب والمقاول ورجل الأعمال والمسؤول الإداري والمدرس والتلميذ قادرا على جعل المدرسة في طليعة المجتمع، أي منبع التنوير والعلم والمعرفة، مؤثرة في المحيط بصناعتها لنخب وطنية متشبعة بروح هذا العصر مادام التكوين والتعليم يهم المستقبل لا الماضي، وقادرة على المساهمة في تنمية البلاد..
ترتسم هذه الصورة الخلاقة للمستقبل مع ورود لفظ الكفاية الذي تردد عشرات المرات في نص الميثاق، حيث المدرسة ستخلق جسورا لا نهائية مع المحيط و ستضطلع بمهمة تحويل الرعية إلى مواطنين. والحال أن الاستدراك بالسؤال الآن واجب فكري مادمنا نسير بسرعة سلحفاة زينون الإيلي. ومن بين الأسئلة المطروحة استعجالا: ما هي الأسس الفكرية والنظرية والإيديولوجية للمقاربات بالكفايات؟ وهل انتقلنا من إنتاج ربوهات لا تفكر إلا بالأمر إلى إنتاج أدوات للإنتاج عليها أن تتكيف وتتلاءم مع سوق الشغل رغم غيابه في حالتنا الراهنة، إنتاج أفراد يحملون علامات الجودة كالبضائع، وإنتاج مخلوقات فردية ومتفردة تقوم بمهام مطلوبة وتحت الطلب، مسؤولة عن فشلها الذاتي إذا لم يتوفر لها الشغل أو تدخل في دوامة التأهيل والتكوين اللانهائي لتتكيف مع مطالب الباطرونا المتغيرة حسب السوق والمزاج والتطور المعلومياتي...؟ وببيان العبارة هل سنسلم المدرسة للمقاولة، كما سبق ونبهنا إلى ذلك الفيلسوف الفرنسي الراحل جيل دولوز، فتعدو بذلك المدرسة مدرسة المقاولة[5]؟....
2- ظهور العمل ومفهومه
إنني من خلال الأسئلة المطروحة أعلاه أطرح ماهية الإنسان بالذات للنقاش. ولكي أبين المنطلقات الفلسفية التي أرومها هنا سأعود إلى الوراء، والمدة لا تتجاوز القرنين ونصف القرن، مسترشدا بأركيولوجيا م.فوكو وتحديدا بأطروحة كتاب "الكلمات والأشياء" الذي بين العلاقة الوثيقة بين ميلاد الإنسان والعلوم الإنسانية (ونحن نتبنى هنا التسمية القائلة بالعلوم الاجتماعية تفاديا للبس الذي ورثناه عن التقليد الفرنسي).
إن المعادلة الصعبة التي مازالت ترمي بظلالها علينا إلى حد الآن تتمثل في كون ميلاد الإنسان تزامن وظهور الاقتصاد واللغة والبيولوجيا، وهو ما يعني أن هذه الحقول المعرفية هيأت الأساس القبلي للتساؤل عن ماهيته؛ فالإنسان يبدو في البيولوجيا كائنا حيا يحيى بحياة مشروطة بشروطها الخاصة التي تقهره وتجعل حياته غريبة عنه، وفي اللغة يتحدث لغة وجدت قبله تمارس عليه ثقلها وهو يحاول أن يضمنها فكره الخاص، وفي الاقتصاد يبدو كائنا صاحب حاجات تدفعه للعمل وهو ذاته أداة ووسيلة إنتاج تخضع لشروط العمل ومنطقه.
من الواضح، ونحن نناقش هنا جانبا محددا من هذه الأطروحة، أن مفهوم العمل حديث الميلاد [6] رغم أن الناس كانوا فيما سبق من الأزمنة يعملون إلا أن العمل الذي كانوا يقومون به يدخل في الخدمة الشبيه بعمل الأقنان والعبيد. فالعمل الحديث الظهور بالنسبة إلينا خلق سوقا يتداول فيه العمل كباقي السلع والبضائع، بمعنى أن العمل أصبح موضوع مبادلة  له ثمن يتناسب وكمية عدد ساعات العمل ونوعية العمل، وبالإجمال أصبح العمل خاضعا لتماثل بين العرض والطلب.
ثم لا ينبغي أن نغفل بأن العمل كما دافعت عنه الأزمنة الحديثة مصدر قيمة ومصدر ملكية، ومن خلاله يشارك الفرد في المجتمع، وهو عند جون لوك أساس الحيازة والتملك ومصدر قيمة الأشياء؛ أي أن الأشياء تصبح لها قيمة مختلفة حينما تطبع ببصمة العمل كمثل الهواء المطهر[7[.
نخلص مما تقدم أن الرأسمالية الحديثة هي التي كانت وراء ظهور التصور الحديث للعمل[8]. ولكي نوضح هذه الخلاصة الأولية سنتتبع تصورات مفكري الاقتصاد الكبار أمثال آدم سميت و ريكاردو وكارل ماركس مستندين في ذلك على أطروحة م.فوكو المذكورة سالفا.
إن آدم سميت هو المفكر الاقتصادي الأول الذي أدخل مفهوم العمل في التفكير الاقتصادي متخليا عن التحاليل المتعلقة بالنقد والتجارة والمبادلة. وأما العمل بالنسبة إليه فهو مقياس أي سلعة أو بضاعة كيفما كانت. وها هنا تطرح أسئلة كثيرة وعميقة، منها: كيف يكون العمل مقياسا ثابتا وهو ذاته له سعر وسعره يتغير؟ وكيف يمكن أن يكون وحدة وهو يتغير تبعا لتطور المصانع وتحوله إلى نشاط منتج عن طريق تقسيمه؟ لاشك أن الحاجة هي أصل العمل ولأن الناس لهم حاجات يبدون كما لوكانوا يتبادلون حاجاتهم عن طريق العمل وكلما أشبعوها حدوا من العمل؛ وبذلك تبدو الحاجة، في نظر آدم سميت، كمحرك الاقتصاد الدائري والعمل نتيجتها. كما لا بد من الإشارة إلى أن آدام سميت هو أول من أدخل الزمن والجهد المبذول في إنتاج البضاعة، أي أن ثمن البضاعة أصبح يقاس بزمن اقتصادي له سيرورت الخاصة هو زمن الرأسمال ونظام الإنتاج.
وأما ريكاردو فقد لا حظ أن البضاعة تمثل عملا معينا وهو محايث وسابق عليها وهو سبب وجودها، لكنه يتغير بتغير البضاعة وهو ما لا يجعله صالحا ليكون مقياس قيمتها. فالعمل نشاط منتج لأنه مصدر كل قيمة. وهكذا تبدو القيمة ذاتها منتوجة والإنتاج يتغير بتغير تقسيم العمل وأدواته و الأموال الموظفة فيه وذلك ما يجعل القيمة محددة بشروط إنتاجها.في حين ركز كارل ماركس على تراكم رؤوس الأموال وتوسع المصانع اللذين يجعلان العامل في فقر متزايد، ويجعلانه بضاعة بالقدر الذي ينتج فيه البضائع مما يرمي به ليصير منحط القيمة رغم أنه يعطي قيمة للأشياء، والنتيجة هي انفلات الأجر و البضاعة والقيمة منه. وكلما ارتفع فائض القيمة تقلص سوق العمل. وهكذا يبدو أن ما كان ينتجه العامل يصبح غريبا عنه له سلطة مستقلة تواجهه وجها لوجه لأن الحياة التي منحها للشئ- البضاعة تتعارض مع حياته: إنه الاستلاب[9[.
لهذه الدواعي ارتبط تصور العمل في القرن 19و جزء كبير من القرن العشرين بالحرية الاجتماعية وظهور النزعة الإنسانية لأن هناك يوتوبيا تتعلق بنهاية الزمن.كما ارتبط كذلك بجماهير العمال فبدا أن انعدام الاستلاب يعني إقامة ماهية للإنسان تقوم على التحرر من العمل وتحريره، أي أن العمل صار أداة للتحرر الفردي والجماعي[10]؛ بمعنى
أن العمل أصل الاستقلالية و بدونه لا وجود إلا للتبعية والدونية والهامشية.
ما ينبغي أن نؤكد عليه هنا بقوة وإلحاح هي أن التصورات الثاوية للعمل عند كل من آدم سميت و ريكاردو وكارل ماركس ارتبطت بالقوة الجسمانية للعامل، وبالتالي كانت المردودية والإنتاجية تنبني على المجهود العضلي ولتوضيح ذلك نجد ماركس مثلا كان يقسم العمل تقسيما عاما إلى فلاحة ونقل وصناعة، ثم إلى تقسيم خاص داخل كل مجال، وفي حالة الصناعة، مثلا، نعثر على البناء والميكانيكا و الكيمياء، ثم في الأخير يقيم تقسيما تفصيليا داخل كل ورش على حدة،
وذلك ما كان يطلق عليه المانيفاكتورا التي تهتم بمختلف جهاز الإنتاج[11[.
إن الاقتصار على جانب القوة العضلية يعني الجمع بين العمل الذهني والفكري وانعدام التمييز بينهما، بالإضافة إلى إقصاء أي تفكير تكنولوجي أو تقني، بل إقصاء التكنولوجيا بالذات واعتبارها محايدة لا تأثير لها في العمل ولا تستطيع أن تغير شيئا في الحياة والثقافة والرؤية. ومن هنا يبرز لنا التصور الماقبل تكنولوجي الذي يظن أن العامل هو هو، واحدا حيثما واحدا وأينما كان، العامل الذي ليست له سوى قوته البدنية. وهذا مدخل آخر لقراءة المنزع الإيديولوجي لكارل ماركس القابع تحت رحمة الفكر الكلاسيكي.
3-من العمل إلى الشغل
ربما نكون الآن استبقنا التحليل بقوة الحدس والواقع لنقول بأن هذا التصور القائم على القوة الجسمانية للعامل لم يعد هو التصور الحالي، أو بمعنى آخر أن العمل القائم على القوة العضلية الطبيعية دخل أزمة عميقة، وبالتالي اكتشف العامل أن تحرره بالعمل وتحريره للعمل لم يكن سوى وهم خالص لأن مجهوده العضلي لم تعد له تلك المكانة التي انبنت عليها التصورات الاقتصادية الكلاسيكية، وأن الآلة التي كانت محايدة بدأت تزيحه شيئا فشيئا ليبدو مهزوما أمامها بالتدريج، مرغما على استدماجها في ثقاقة العمل، وأن العمل أضحى قائما على الفصل التام بين العمل الذهني والعضلي، وأن الإنتاج عامة أصبح تقنيا – تكنولوجيا وذهنيا أكثر فأكثر وآليا- أوتوماتيكيا. كما لا تفوتنا الإشارة إلى أن العمل يكسب الإنسان هوية وانتماء لجماعة معينة تكاد تحدد هويته إلا أنه بدخول العمل الأزمة التي أشرنا إلى بعض خاصياتها يكون الإنسان ذاته يعيش أزمات كثيرة ومن الإحالات الدالة عليها نجد مايلي:
أولا: إن اختفاء التحاليل المستندة إلى مفاهيم كالطبقة العاملة والبورجوازية والرأسمال ورب العمل والصراع الطبقي يدعونا لفهم ما يحدث في عالم العمل لأن الحديث يدور اليوم حول الشغل وفرص الشغل والمهام والعمليات والوظائف والأدوار والمواقع لنعني بشكل خاص ممارسة نشاط يسمى العمل[12[.
ثانيا: إن التحولات التي أصابت مفهوم العمل اليوم، وذلك منذ بداية القرن العشرين، ترتبط بالأشكال الجديدة لتقسيم العمل والتطورات التكنولوجية وتنظيم العمل. فعلى مستوى تنظيم العمل يخيل للباحث كما لو كان العمل أو الشغل هو مدار رهانات القرن العشرين، مدار رهانات معرفية و اجتماعية وفردية لأننا نجد حقولا معرفية مرتبطة به مثل السسيولوجيا(سسيولوجيا الشغل وسسيولوجيا التنظيمات)، ثم علم النفس الشغل وقانون الشغل والاقتصاد العام و الاقتصاد السياسي، هذا فضلا عن النماذج التدبيرية التي لا تخلو من استدماج تخصصات معرفية كثيرة ومتعددة كالتواصل وبعض فروع علم النفس والاجتماع والاقتصاد والقانون . والملاحظ أن هذه النماذج التدبيرية المقاولاتية التي فرضت تصوراتها للشغل غزت مجالات غير مجال الشغل ومنها مجالات التربية والتكوين. ومن بين هذه النماذج نجد، على سبيل المثال، الفوردية والفايولزمية والتايلورية والطيوتية والتدبير بالأهداف وعلوم التدبير التي ظهرت في سنة 1920 مع شركة جنرال موتورس والمقاولة النسق في سنة1950 والأرغونومي[13[...
 ما ينبغي أن نشير إليه في عجالة أن هذه التنظيمات المقاولاتية تختلف جذريا عن الورش الذي فكر فيه كارل ماركس ولعل أهم وأبرز مكامن الاختلاف والقطائع تتمثل في الفصل التام بين العمل الذهني وغير الذهني، وهو ما أثر تأثيرا قويا على تقسيم العمل ومفهوم العمل و العامل، لأن التقسيم الجديد للعمل يفترض المهمة ومنصب الشغل، وفي الآن نفسه تناسبا ما بين الإنسان والآلة، حيث أضحى المهندس والتقني كالرأسماليين أصحاب ملكية أفكار وتصورات وقدرة على الإنتاج والإبداع، يتصرفون كالرؤساء الفعليين للمقاولات[14]. وأما الجانب التكنولوجي والإعلامي والسبرنطيقي[15[
فإنه يكاد يكون الجانب الأساس في التحولات التي عرفها العمل لأنه زحزح الأسس الكلاسيكية التي نذكر منها الجوانب التالية:
1- لا شك أن التحولات المتسارعة التي عرفها القرن XX أثرت في مختلف أشكال الإنتاج، حيث بدا واضحا للعيان تقليص اللقاء المباشر بين الإنسان والمادة وتزايد مهام المراقبة متبوعة بتثبيت معلوماتي وتدبير إعلامي وتنبؤ بالتعطل[16]. إننا أمام ظاهرة جديدة لم يعهدها القرنان 18و19 هي الإنتاج الأوتوماتكي الذي يقوم على الآلة وتجميع المتخصصين، بل إن لغة التواصل ذاتها عرفت تحولات جذرية من لغة طبيعية وواصفة ولغة ميكانيكية إلى لغة مشفرة مرمزة متحكم فيها وهي تتحكم في سيرورة الإنتاج كله، تتباين وتختلف حسب شعب الإنتاج من تصنيع و نقل و تسيير ومراقبة وخزن و تحويل، لغة تبدو للناظر من أول وهلة كلغة السحرة[17] تطارد اللصوص والغرباء والأميين.
2- إذا ما أخذنا بالمعطى التكنولوجي والإعلامي المشار إليهما سابقا سنفهم لماذا صار العمل موحدا في الرؤية والتصور والإنتاج. وإذا ما أخذنا بالنماذج التدبيرية سنفهم كذلك ما يعنيه الاستهلاك والبنية التدبيرية والهيكلية للمقاولات اليوم[18]، بل وقد نعثر على مدخل لفهم الأزمات الداخلية والجوانية التي تصيب العائلة و المعمل والمدرسة والنقابة والحزب والدولة، وهي كلها دواخل، كما يقول جيل دولوز، تعيش أزمات الشغل، وبالتالي التخطيط والتنمية المستديمة وسبلها. فعلى مستوى العمل كان تقسيم العمل في القرنين 18و19 يقوم على العمل واللاعمل[19].وأما في أيامنا هذه فإننا نعيش في مجتمع عمل بدون عمل، والأسباب في ذلك كثيرة منها وجود جيش من العاطلين والاحتياطيين وهو ما ينبئ بانعدام العمل المكتمل، أي أن البطالة أصبحت معممة في القرن العشرين تطال صاحب الشهادة والموسيقي وغير المتمدرس... ثم إن العمل القار صار امتيازا لا تحصل عليه إلا قلة من الناس، وهي قلة مهددة بأنظمة الاستهلاك المعممة ومبدأ الليونة في التشغيل وبالديون.وأخيرا سيادة مبدأ تقليص ساعات العمل[20[. والجانب الثاني الذي تجب الإشارة إليه هو وحدة أنماط الاستهلاك وتوحيده عالميا. وكان من دواعي هذا التعميم العالمي للسوق أن أصبح الرأسمال يدور في مدارات افتراضية: أسهم، مؤشرات البورصات لا علاقة لها بإنتاج الثروة الوطنية وتلبية مطالب الشغل. ثم إن قوة العمل المؤهلة أصبحت تجوب العالم كله وهي في خدمة الشركات الكبرى لخلق مستهلك جديد دون إعطاء قيمة للقرارات المحلية والوطنية.
ولا شك أن هذه التحولات سترمي بظلالها على المدرسة والتكوين والتشغيل، بل إنه في عالم يتغير بسرعة كبيرة ستبرز الحاجة إلى التلاؤم بين التكوين والتشغيل[21]، وذلك هو الميلاد الفعلي للكفاية. ولإبراز هذا الظهور غير المفاجئ و لا المعجز سننطلق في تحليلنا هذا من توضيح العناصر التالية:
أولا: بناء على الخلاصة التي ذكرناها آنفا نلاحظ أن التعليم مؤسس على برامج قارة غير متكيفة مع المحيط العام، وهو ما يعني أن المدرسة لم تعد سيدة اللعبة لوجود نقص في التكوين و عدم مواكبة التطورات العلمية والتكنولوجية وطغيان النزعات الأكاديمية[22] وتوارت النزعات التقليدانية والسلفية التي تجتر الماضي وترى من خلاله الحاضر والمستقبل.
ولهذا السبب بدا الاهتمام بإصلاح الأنظمة التربوية وتبني مسالك التمهين.
ثانيا: إن هذا التحول العميق الذي سبق وتحدثنا عنه الحاصل في الإنتاج الجديد دعا إلى طرح مسألة التكوين والتأهيل المستمر، وإلى تعدد رهانات التعليم من منظور النفعية. ولذلك أصبحت الأنظمة التكوينية تلعب دورا كبيرا في سياسة التعديل الاجتماعي[23]؛ ومعنى ذلك أن تعليم الكبار وتكوين العاملين أضحى يكتسي طابعا سياسيا لا طابعا تقنيا. وللتدليل على ذلك نجد اليوم البحث الذؤوب عن أشكال جديدة ومبتكرة ومصطنعة لإثبات الصلاحيات و تنمية ومضاعفة مسالك التكوين إما عن طريق الحوارات الدائرة حول التكوين الأولي والتكوين المستمر[24] أو عن طريق سن سياسات عامة بالتفاوض للنظر في مصير الشواهد والدبلومات[25].وعليه أصبح مبدأ الكفاية مؤثرا وبقوة كبيرة في توجيه السياسات الوطنية التربوية والتكوينية للملاءمة بين التكوين والتعليم و السوق وسوق الشغل[26]، علما أن التكوين بوجه عام أصبح خاضعا وتابعا في المقاربة التدبيرية لسوق الشغل وبذلك دخل الزمن المدرسي  أزمة المقاولة.
ثالثا: نلاحظ أن الكفاية تتوافق و مبدأ الليونة في التشغيل، وهو مايعني أن منصب الشغل أضحى فرصة غير متاحة للجميع من منظور قانوني و من منظور متطلبات سوق الشغل ومطالب المقاولة. فالمقاربة هنا هي أن المنصب يرتبط بالمهمة أو الوظيفة أو الدور المحدود في الزمان والمكان. والمهام والأدوار تتطور وتتغير وفق معطيات عديدة والمنطق يقتضي القضاء التام على الشغل القار من أجل استمرار المقاولة. ولذلك ظهرت الكفاية في الاتفاقات بين المقاولات وشبكات التصنيف، وأصبحت جزء من الخطاب الباترونالي ومجالا لحوار اجتماعي وسياسي لأن إثبات صلاحية ما يعني إعطاء قيمة اقتصادية واعتراف اجتماعي للشهادة أوالدبلوم أو التكوين[27]، أي الاعتراف بالفرد الحاصل عليها. وهكذا تبدو الكفاية خاصية تعين الفرد في فرديته المطلقة، حيث الأجير يتنافس مع الأجير الآخر[28] في غياب وحدة الشعور والهوية المهنية، وذلك ما يقودنا نحو مصير يمحو الانتماءات المهنية و سيطرة منطق المقاولة والسوق على القيم الفردية والجماعية والثقافية. و على وجه الإجمال فإن البقاء سيكون لمن يستطيع الاستجابة لهذين المنطقين: منطق المقاولة ومنطق السوق وهنا وجب التساؤل عن مصير الإنسان والمعرفة كمعرفة و مصير سياسات التضامن والحقوق الاجتماعية والفردية والسمات المميزة والمعينة للمواطنة، أي ما معنى أن نكون مواطنين في أزمنة تحدد المعاني في السوق ؟
[1] -الميثاق الوطني للتربية والتكوين الطبعة التي أصدرتها اللجنة الخاصة بالتربية والتكوين.يناير2000 المملكة المغربية.
[2] - نقصد هنا الكتابات التي تناولت موضوع الكفايات تأليفا وترجمة عند الباحثين المغاربةوالتي أتت كلها بعد صدور الميثاق الوطني للتربية والتكوين.
[3] - لاحظنا أن غياب الكفاية على مستوى البيداغوجي كان جليا سواء لدى الخبراء (شبكة الخبراء) [المجلد الثاني باللغة الفرنسية.غشت 2000 الوثيقة 8/9] أو في مساهمات الخبراء في تشخيص وطرق إصلاح نظام التربية والتكوين [المجلد الثالث .غشت 2000 الوثيقة 8/9 [. كما أن الكفاية لم ترد في التقارير الاستطلاعية لبعض أنظمة التربية والتكوين بالخارج [المجلد7/9، غشت 2000 ] التي شملت الأردن وفلسطين، سوريا ولبنان، الشيلي ،المكسيك والسالفادور، ألمانيا
وهولندا، كندا، إيطاليا وهنغاريا، إسبانيا والبرتغال، النرويج وفلندا. وغاب أي تصور أو ذكر للكفاية في الاستماعات للوزراء المكلفين بقطاعات التربية والتكوين ]المجلد 3/1/9، غشت2000 [.
[4] - وثيقة لإصلاح النظام التعليمي شتنبر1985.
[5] -الحسن اللحية، مدرسة المقاولة، جريدة الأخبار المغربية العدد 20-فبراير2004 الرباط
[6] - Mottez Bernard, Travail.2001,Ency. Universalis France.CD 2.
[7] - Yves Charles Zarka, Figures du pouvoir. Ed.Puf Paris.Chap.VI.p.104-105.
[8] - Mottez Bernard, Travail.2001,Ency.Universalis France.CD 2.
[9] - Yves Charles Zarka, Figures du pouvoir. Ed.Puf. Paris.Chap.VI.p.106
[10] - Karl Marx, Extraits des Manuscrits de1844.ed.sociales, p.404-406.
[11] - Yves Charles Zarka, Figures du pouvoir. Ed.Puf. Paris.Chap.VI.ibid.
[12] - Naville Pierre, Travail:nouvelle division du travail, Ency. uni. France 2001.
[13] - Naville Pierre, Travail:nouvelle division du travail, Ency. uni. France 2001.p.2
في سنة 1920 عرف النوذج الفايوليزمي وهو من ابتكار المهندس الفرنسي هنري فايول الذي يركز على حضور السلطة القائدة.وهنالك كذلك الطويوتية والتيلورية والفوردية التي ظهرت في 1913 على يد هنري فورد وتقوم على فكرة إدماج العمال في الأرباح. أما التايلورية التي تعود لفريدريك تايلور فتتأسس على عقلنة الإنتاج والتمييز بين التصور الذهني والتنفيذ العملي وتنفيذ المهام: المهندس/العامل. من أهدافها تعزيز مراقبة سيرورة المراقبة والتمييز بين الذهني واليدوي و استدماج النقابة في المقاولة وخلق نظام أخري اختلافي والتحكم في الوظائف وتقسيم الوقت إلى وحدات وانتقاء العمال ودراسة الأزمنة المستغرقة في الإنتاج لاكتشاف التأخرات.وفي بداية الأربعينات من القرن 20 انبنت علوم التدبير في أمريكا على أربعة مبادئ هي 1)- تحديد المهام وتخصيصها 2)- وحدة القيادة 3)- الحد من السلط العليا في السلم التراتبي 4)- التنظيم وفق أهداف.
 في حين يركز التدبير بالأهداف على تحديد الهدف والأهداف المجاورة والأهداف العامة للمقاولة. أما التدبير الذي ظهر في 1920 بشركة جنرال موطورس فيقوم على البنيات غير المتمركزة والليونة في حل المشاكل والملاءمة بين الوسائل والحاجيات والتنسيق على مستوى القيادة والمراقبة التدبيرية المصححة والأخذ برأي المسؤولين المباشرين والعمل بلوحة القيادة.
وقد ظهرت المقاولة النسق في 1950 مصحوبة بالثورة الإعلامية والسبيرنطيقية و المعالجة الأوتوماتيكية للمعلومات.في حين يهتم الأرغونومي بالتفاعل الحاصل بين الإنسان من جهة وأدواته ومحيط عمله. ويقوم على فكرة النسق لأنه يهتم بوظائفية جميع العناصر مثل شروط العمل ودراسة الأنشطة ومشاكل الملل وأشكال تنفيذ المهام والتنظيم الجماعي...
[14] - Alliance pour un monde responsable pluriel et solidaire. Pole de socio-economie de solidarité, Transformations dans le monde de travail.
[15] - يقول مارتن هايدجر:" إن الإنسان في غنى على أن يكون نبيا حتى يعرف أن العلوم الحديثة في استعمالها من قبله تضع له حدودا تعيقه وتقيده بعملها الأساس الذي هو علم التوجيه  (السبيرنطيقا) " Question IV.Gallimard, Paris 1967
راجع كذلك ن.ويرنرN.Wierner. السبيرنطيقا والمجتمع باريس 10/18 .1962.
[16] - Jean Michel Joubier, Compétences et dialogue social in Compétences en action.éd. laisons.Paris 2000.
[17] - Naville Pierre, Travail:nouvelle division du travail, Ency. uni. France 2001.
 [18] - Claudio Nascimento, Mutations au sein du travail et du syndicalisme. Alliance pour un monde responsable pluriel et solidaire. Pole de socio-economie de solidarité, Transformations dans le monde de travail.
[19] - Mottez Bernard, Travail.2001,Ency.Universalis France.CD 2.
[20] - Alliance pour un monde responsable pluriel et solidaire. Pole de socio-economie de solidarité, Transformations dans le monde de travail.
[21] - Paul timmermans, L'approche par compétences un outil de regulations. In Compétences en action.éd. Laisons .Paris 2000.
 [22] - Paul timmermans, L'approche par compétences un outil de regulations. In Compétences en action.éd. laisons.Paris 2000.
 [23] - Jean Pierre Bellier, In Compétences en action.éd. laisons.Paris 2000.p.229.
[24] - Jean Pierre Bellier, In Compétences en action.éd. laisons.Paris 2000.p.230.
[25] - Pierre giorgini, In Compétences en action.éd. laisons.Paris 2000.p.43.
[26] - Jean Piérre Bellier, In Compétences en action.éd. laisons.Paris 2000.p.224.
[27] - Jean Michel Joubier, Compétences et dialogue social in Compétences en action.éd. laisons.Paris 2000.p.177-179.
[28]- Jean Michel Joubier, Compétences et dialogue social in Compétences en action.éd.
laisons.Paris 2000.p.181.


موقع الأستاذ

موقع تربوي مستقل يهتم بجديد التربية والتعليم بالمغرب

للتواصل معنا يرجي زيارة صفحة تواصل معنا: موقع الأستاذ

خلفيات ميلاد خطاب الكفايات Reviewed by موقع الأستاذ on 4:54 ص Rating: 5 خلفيات ميلاد خطاب الكفايات بقلم ذ. الحسن اللحية من العمل إلى الشغل   ميلاد الكفاية 1- ملاح...

ليست هناك تعليقات:

جميع الردود تعبّر عن رأي كاتبيها فقط.