التربية و ميلاد الإنسان الجديد - موقع الأستاذ

728x90 AdSpace

آخر المستجدات
الثلاثاء، 15 يوليو، 2014

التربية و ميلاد الإنسان الجديد

التربية و ميلاد الإنسان الجديد
التربية و ميلاد الإنسان الجديد:
لقد فكرت فلسفة التربية في ماهية الإنسان الجديد، في طبيعة الإنسان، في ميلاد الإنسان الجديد منذ روسو إلى نتشه من جهة التربية و القيم؛ ولذلك اقترن مفهوم التربية الجديد بميلاد هذا الإنسان، وكانت التربية تصورا عاما يلتقي في ابعاده القصوى مع الفلسفة السياسية و مفهوم الدولة الجديدة.
كما فكرت الأدبيات التربوية المتعلقة بالتربية الجديدة في العلاقات الاجتماعية و ظواهر المجتمع بدء بسبنسر مرورا بأوغسط كونط و دوركهايم. فأوغست كونط مثلا كان يدعو إلى تربية وضعية تتوافق و تصوره للفيزياء الاجتماعية المأمولة.
وما يجب ان ننبه إليه هنا لنبين القطائع في التصورات بين التربية في الماضي و التربية منذ روسو هو ما يلي:
أولا: هناك خلط بين ما تحيل عليه التربية وبين ما يمكن أن يرتبط بتاريخ ظهور البيداغوجيا بمعناها الدقيق. ويأتى هذا الخلط من الممارسة التي يقوم بها المربي سواء أكان عبدا يقود الطفل أو غيره ممن يمارسون نشاطا على الطفل من أجل تربيته، ولعل هذا الخلط بين الوظائف يجعل وظيفة المربي هي وظيفة البيداغوجي؛ أي الخلط بين التربية والبيداغوجيا.
ثانيا: إن المربي في الفكر اليوناني والروماني يقرر فيما ينبغي أن تكون عليه تربية الطفل؛ وبالتالي يقرر في تراتبية المعارف مثل ما نجد في جمهورية أفلاطون. هناك معارف أرقى وأخرى أدنى، هناك معارف للعقل و أخرى للحواس والجسد أو هناك معارف حسب الأنفس كما جاء في جمهورية أفلاطون. والمعارف في تراتبيتها تتناسب وتصورات فلسفية للمدينة والطبقات والأنفس والمعادن الطبيعية. وكأن المربي يقرر في ماهية الإنسان قبل ولوجه إلى التربية.
إن المشكلة الأولى الموروثة عن اليونان والرومان هي أن المربي حينما يضع تصورا مسبقا لتعلم المعارف والصنائع يقرر مسبقا أي إنسان يريده، وكيف سيتم ذلك، وبأي طريقة يتم الوصول إلى ذلك. وإن الأهم من كل هذا وذاك أن المربي حينما يقرر في تراتبية المعرفة فإنه يقرر في نوع المجتمع الذي تفضي إليه التربية. ولعل هذا الوعي العميق والأساس بوظيفة التربية وبما يترتب عنها كان أساس ظهور الإنسان كموضوع للتفكير التربوي العقلاني. وذلك ما يجسده فكر الأنوار بقوة كبيرة. فالحديث عن التربية هو حديث عن المربي وعن المجتمع وعن الغايات.
إن ربط التربية بالعقل وبالمجتمع يعني جعل التربية موضوع العقل بامتياز؛ وذلك ما يفسر صراع مفكري عصر الأنوار ضد الأنماط التربوية والتعليمية العتيقة أمثال جون جاك روسو وديكارت وغيرهما.
وعلى العموم فإن ما ميز فلاسفة الأنوار،حسب فليب ميريو، بعامة هو ما يلي:
1. الصراع ضد أنماط التربية العتيقة القائمة على الدرس السكولائي أو التعليم الكنسي أو التمييز بين أبناء الطبقات...إلخ. إنها إرادة توحيد التعليم وتعميمه بخضوعه للعقل وارتباطه بالإنسان كإنسان.
2. إن ما ميز فلاسفة الأنوار هو انخراطهم في القضايا والهموم اليومية لمجتمعاتهم؛ ومعنى ذلك أن أي تصور للتربية يحضر في الممارسات اليومية للمواطن. فنحن نعلم أن روسو أو ديدرو أو مونتسكيو وغيرهم، كانوا من المنخرطين في القضايا اليومية، وهو ما يجعل مفهومهم للتربية يستحضر ما ينبغي أن يكون عليه المواطن يوميا وفي المستقبل، وبالتالي ما ينبغي أن يكون عليه المجتمع والدولة.
3. ما ميز هؤلاء الأنواريين، حسب فليب ميريو، هو الاعتراف بانفصال الطفولة عن الإنسان الراشد، بل الصراع من أجل الطفولة ولنا في إميل لجون جاك روسو خير مثال على ذلك.
إن تمييز المراحل العمرية في الطفولة ظل مثار نقاشات علمية كبرى كما يؤكد ذلك فليب أرييس. ومرد ذلك إلى الاستعمالات الاجتماعية للمراحل العمرية، بالإضافة إلى الاستعمالات المؤسساتية للأعمار، ومنها المؤسسة المدرسية التي تميز بين الأعمار والمستويات وتعمل على تنظيمها والفصل بين المراحل العمرية.
سيميز إميل دوركهايم في الطفولة بين بين طورين، طور أول يقضيه الطفل في الأسرة أو في روضة الأطفال التي تقوم مقام الأسرة. وهناك طور ثان يقضيه الطفل في المدرسة، أي أن الطفل في هذا الطور يبدأ في الخروج من دائرة الأسرة ويتلقى مبادئ الحياة الاجتماعية التي تحيط به. وتسمى هذه المرحلة مرحلة الطفولة الثانية. وهي المرحلة التي لها علاقة بالتربية الأخلاقية. ومع تخطي الطفل للمرحلة الثانية وبوصوله إلى السن المدرسية يتحتم تلقينه مبادئ الأخلاق؛ وذلك بتهذيب الشعور الخلقي وصبغه بصبغة عقلية، وإخضاعه شيئا فشيئا لمبادئ التفكير العقلي. والملاحظ أن هذه السن تكتسي، في نظر دوركهايم، أهمية كبرى مما يتوجب التركيز عليها أكثر من غيرها.
إن طرح قضية الطفولة للنقاش يعني كذلك إعادة التفكير في الطفولة وتشكل الفرد. فالحكم المسبق على الطفل من حيث أنه طفل عارف وصاحب تجربة وقدرة على التمييز يظل حكما خاطئا، هو إسقاط لاعتقاد الراشد على الطفل. فمجيء مجتمع الأفراد جعل الطفل مسؤولية الجميع أو أن الطفولة أصبحت مسؤولية اجتماعية وعلمية وفكرية وسياسية...إلخ.
نستخلص من هذه الفكرة التي ركز عليها غوشي كيف سيصبح الطفل ممثلا للمستقبل في جميع أبعاده، بل كيف سيصير الطفل الممثل الحي للمستقبل في قلب الحاضر. فالطفل الصورة الحية والساطعة لمستقبل مفتوح، والحامل للمستقبل المختلف عن الحاضر. ومن هنا كان تقدير الطفولة وكثافة الاستثمار فيها مما جعلها موضوعا اجتماعيا وفردانيا كما لو كان الطفل هو الضمانة الوحيدة للمستقبل.
إن هذه الرؤية المتطلعة إلى المستقبل تعيد النظر في الرؤى الشعبية للتحليل النفسي القائلة بأن الأمور تحسم في المراحل المتقدمة من العمر، أي السنوات الأولى للطفولة. فالمجتمع لن ينتظر اكتمال المراحل كما يراها التحليل النفسي، ولن يركن إليها لأن الاهتمام بالطفل يطرح تحديات أخرى، تحديات على المجتمع والراشد والأب والأم والعلم والفكر...إلخ. فكأن الطفل هو مدار كل شيء، بل مدار الخطابات في تعدديتها.
4. كما تميز هؤلاء المفكرون الأنواريون بربط التربية بالغذاء الفكري للطفل؛ أي النظر إلى الطفل كشخص وجب تغذية عقله وروحه وجسده وخياله ...إلخ، لا الاكتفاء أو الاقتصار على نمط تعليمي واحد.
5. وأخيرا ما ميز هؤلاء هو الصراع من أجل الحرية الفكرية، وهو ما تترتب عنه نتائج كبيرة مثل التسامح والتعددية الفكرية والثقافية والسياسية والدينية...إلخ. وهو أساس ميلاد الإنسان والمواطن أو لنقل بلغة أخرى إن الحرية هي أساس الحداثة التربوية.
الحسن اللحية
موقع الأستاذ

موقع تربوي مستقل يهتم بجديد التربية والتعليم بالمغرب

للتواصل معنا يرجي زيارة صفحة تواصل معنا: موقع الأستاذ

التربية و ميلاد الإنسان الجديد Reviewed by موقع الأستاذ on 4:26 ص Rating: 5 التربية و ميلاد الإنسان الجديد التربية و ميلاد الإنسان الجديد : لقد فكرت فلسفة التربية في ما...

ليست هناك تعليقات:

جميع الردود تعبّر عن رأي كاتبيها فقط.