مدرسة النت - موقع الأستاذ

728x90 AdSpace

آخر المستجدات
السبت، 22 نوفمبر، 2014

مدرسة النت

مدرسة النت
مدرسة النت
بقلم ذ. الحسن اللحية
أشرنا إلى وجود صراعات ونقاشات حول المدرسة وفي المدرسة اليوم، وهي علامات على وجود أزمات كأزمة التنشئة الاجتماعية التي كانت تقوم بها المدرسة والتي تحولت إلى إيديولوجيا التكوين مدى الحياة، وأزمة الغاية من وجود المدرسة التي دفعت بكثير من الدول إلى ولوج إصلاحات متتالية للتربية والتعليم والتكوين وإدخال إصلاحات في قطاعات أخرى مما يعنى أن الدولة ذاتها تعاني أزمة وجود. فالإصلاحات التي تباشرها الدولة تقوم بها بكثير من الألم وكثير من الكوارث كذلك لأنها لا تتحكم في مصائر ما تقوم به لأن تقوم به يتجاوزها ويحمل بذور قتلها كدولة (وطنية) إقليمية لصالح دولة الشبكةEtat-réseau التي تتوافق وظهور اقتصاديات جديدة كاقتصاد المنافذ والشكبات والاقتصاد-نت والاقتصاد الإلكتروني e-commerce وغيرها من الأنماط الاقتصادية الجديدة التي يبشر بها عصر الافتراضية والشمولية.
إن أزمة التربية والتعليم تقود إلى انحلال المؤسسة المدرسية وسط موجات كبيرة من شبكات التنشئة الاجتماعية وتكوين الأفراد. لم يعد الآباء قادرين على نقل قيم ما لأبنائهم شأنهم شأن المدرسة ومؤسسات التنشئة الاجتماعية والدولة وكل ما هنالك أن إيديولوجيا تعلم التعلم وتدبير المعرفة والتعلم من المهد إلى اللحد صارت علامة على عصر جديد على الرغم من أن المدرسين مازال تفكيرهم محدودا بالإطار الاجتماعي القديم للتأهيل والدبلوم والشهادة.
لا يمكننا فهم ما يحدث في المدرسة وللمدرسة بمعزل عما يحدث في الاقتصاد؛ أو بالأحرى لا يمكننا فهم لماذا آلت المدرسة إلى مقاولة أو لماذا تستلهم المدرسة المقاولة إذا لم نتعرض للتحولات التي عرفها الاقتصاد السياسي بالتحديد . ولا بد من الإشارة أن تلك التحولات التي عرفها الاقتصاد تطال التسيير والتدبير وتنظيم العمل ، مما يعني أن تنظيم العمل ليس قضية علمية بالضرورة ولا قضية محايدة ولا ظاهرة عادية وبريئة. فالنماذج التنظيمية التي تغزو المدرسة هي قضية هيمنة ولعبة قوى وإرادات، وقضية اقتصادية بالأساس تخضع للمقاييس الاقتصادية وتنضوي تحت مفاهيم المردودية والنجاعة والمؤشرات والإنتاجية وغيرها من المفاهيم.
كان أرسطو يميز السيد عن العبد بقوله أن الفارق بين الإنسان الحر والعبد يعود للطبيعة. فالعبد متاع كباقي الأمتعة الأخرى يكون في ملكية الغير، في ملكية الحر، السيد. تميزه الطبيعة عن الحر السيد بالعضلات القوية والقدرة على العمل، بينما يتميز السيد بالقدرة على التفكير والتدبير .
لا تهمنا هنا هذه العنصرية الظاهرة التي تقوم على التمييز بين الأعراق، ولا ثنائية عمل/فكر، ممارسة/ تنظير، ولا حتى تصور كانط للعمل الذي جعله التزاما وواجبا أخلاقيا نظرا لما في العمل من خير للإنسانية جمعاء.
صحيح أن العمل يميز الإنسان عن غيره من الكائنات الحية، إن لم يكن بالعمل تتحقق هوية الإنسان وماهيته كما يقول هيجل؛ غير أن الحيوان ينتج ما هو في حاجة إليه بشكل آلي ومباشر، وبشكل جزئي، كما يقول كارل ماركس، على عكس الإنسان الذي ينتج بشكل كلي وشمولي ولا ينتج كذلك تحت ضغط إمبراطورية الحاجة المباشرة لأنه ينتج في الوقت الذي يكون متحررا منها إن لم ينتج إلا حينما يكون حرا بالذات.والخاصية الرابعة التي تميز الإنسان عن الحيوان هي كون الحيوان لا ينتج إلا لذاته بينما يعيد الإنسان إنتاج الطبيعة كلها، وأخيرا إن الحيوان ينتج لصالح بني جنسه بينما ينتج الإنسان لجميع الأجناس.
ولكن لا ينبغي أن نغفل أن العمل ضرورة حيوية للإنسان تسمح له بالاستجابة لحاجاته الأساسية كالأكل وتأمين شروط وجوده ووسيلة لإنتاج ما يحتاج إليه، علاوة على أنه إلتزام أخلاقي واجتماعي لأن الإنسان بدون عمل يكون مطرودا من المجتمع؛ لذلك فهو وسيلة إدماج وتنشئة اجتماعية. والحق في العمل هو دفاع عن الانتماء لتنظيم اجتماعي ودفاع عن المواطنة.
يفكر الفلاسفة في العمل كشر ضروري أو كشر محتوم تمليه غايات خارجية وربما اكراهات لا يتحكم الإنسان فيها. فيبدو وكأن العمل يتعارض والحرية كما هو الحال عند أرسطو الذي رأى أن العبد عبد لأنه يعمل، العبد إنسان ناقص الإنسانية لأنه يعمل وكل من يعمل، حسب هذا التصور، فهو تابع وخاضع لا يشارك في الأنشطة السياسية والمدنية ولا يتخذ القرارات الكبرى.لكن، في مقابل ذلك، قد تنتج شروط العمل ما أسماه كارل ماركس الاستلاب. فإذا لم يختر الإنسان عمله سيصبح العمل ضغطا ويصبح الإنسان معه غريبا عن نفسه لا يتملك ذاته.غير أن الفلاسفة الواقعيين يرون أن الإنسان يحقق ذاته بالعمل ومن لا يعمل لا يحقق شيئا؛ ذلك ما يؤكده فريدمان حينما يقول بأن العمل يسمح للإنسان بالاندماج في الواقعية؛ إذ بفضله يحول الإنسان الطبيعة ويتحول هو بنفسه .
إن التصور المثالي للعمل هو أن يعمل الإنسان بفرح، أن يشعر بالوجود الممتلئ وهو يعمل. ورغم ذلك وجب التمييز بين فكرة العمل وقوة العمل، بين العمل والنشاط الذي يقوم به الإنسان في العمل لأن العمل كما يرى فليب زارفيان لا يوجد إلا بشكل معين. فالعمل المأجور يصير بضاعة ولا يتم الحديث عن قوة العمل إلا كتجريد. ليس الإنسان هو الذي يباع بل قوة عمله هي التي تباع.ولذلك يتطلب العمل سيرورة لحساب الجهد المحمول على النشاط المنتج وحساب زمن الإنتاج.
نخلص مما تقدم أن للعمل تاريخ ولفكرة العمل في التصورات الاقتصادية والفلسفية تاريخ كذلك. فبعضهم يرى أن ما ساد قبل الفيزيوقراطيين من تصورات حول العمل لم يكن من التفكير الاقتصادي في شئ لأنه كان يدخل في باب الخدمة كخدمة العبد للسيد في الفلسفات اليونانية. وأما ظهور العمل فهو يتزامن وظهور السوق الذي يحيل على تبادل المجهود وشراء قوة العمل، وتبادل الخيرات والخدمات ووجود أثمنة وأجور وفضاءات وأمكنة محددة للعمل والبيع والشراء والمبادلات وقوانين وبضائع وأفراد ومواصلات وجماعات ودولة كتعبير عن مصالح مجموعات، بل تحضر الدولة في السوق كمكون للسوق ترعى وجوده وتنافسيته وإيديولوجية السوق لتجعل الناس يعتقدون في السوق، في قانون السوق. وهكذا صار العمل بضاعة بفضل السوق المرعي.وكلما ازدادت الفردانية يصير السوق هو الرابط بين الفرد والجماعة. وبذلك يتحول السوق إلى مجال للتنشئة الثقافية والاجتماعية.لكن ماذا لو كنا نعيش نهاية العمل؟ وهل نهاية العمل تعني بالضرورة نهاية السوق؟.
تعني نهاية العمل في سسيولوجيا الشغل نهاية التايلورية وأشكال تنظيم العمل الكلاسيكية الأخرى. وفي الاقتصاد السياسي الجديد تفكك الطبقة العاملة.ينبهنا جريمي رفكان إلى أننا نعيش نهاية العمل للأسباب التالية:
تعرف الإنسانية مع تطور التكنولوجيا أنماط جديدة من العمل وظهور قطاعات اقتصادية جديدة (الاقتصاد الجديد). ثم إن هذه التكنولوجيا تمحق العمل الإنساني وتزيل قطاعات مثل الفلاحة والخدمات التي أصبحت أوتوماتيكية.
ظهور أنماط جديدة للتنظيم العقلاني للعمل وللإنتاج تقود نحو الافتراضية.
ظهور اقتصاد جديد يعلن عن نهاية رأسمالية السوق، حيث ترك المكان الجغرافي المجال لسبير- فضاء، وتركت الأسواق مكانها للأسواق –الشبكة، وتحولت العلاقة مزود/ مستعمل إلى بائع/مشتر، وتحول الملاك إلى مكترين للمنافذ على شبكة الإنترنت.
تحولت الاقتصاديات القديمة من فلاحة وصناعة واقتصاد الخدمات إلى مواد أولية لمرحلة اقتصادية قادمة. كما تحول الوقت إلى بضاعة تباع وتشترى.
عوض الحصول على منفذ على شبكة الإنترنت شراء الأمتعة.
عوضت الشبكات الالكترونية الأسواق التقليدية. ففي السبير- سوق الالكتروني يتبادل البائع والمشتري الخيرات والخدمات. والملكية في هذا الاقتصاد لا تتعدى الحصول على منفذ إما بالكراء أو الانخراط مما جعل الرأسمال الفيزيائي يتهمش يوما عن يوم لأنه أصبح موردا من بين موارد أخرى؛ وذلك ما يفسر بيع المقاولات لممتلكاتها وتخفيض الاحتياطي واللجوء إلى اكتراء التجهيزات والاقتصار على المراقبة والتتبع.
احتلال اقتصاد التصورات وإبداعات الريادة لأن للصور والتصورات قيمة حقيقية في الاقتصاد الجديد.
نهاية العمل تعني نهاية التأجير الموحد ونهاية العمل كواجب.
يرى رفكان أن لنهاية العمل ولاقتصاد المنافذ نتائج عديدة منها انحدار الطبقة الوسطى، والتباين الطبقي وارتفاع عدد العاطلين عن العمل الذي يقود إلى ظهور ظواهر اجتماعية خطيرة. وأصبح الإنسان إما في العمل أوفي البطالة لأنه لا وجود لوقت الفراغ أو الوقت الحر.وأما من جهة الدلالات الفلسفية لهذا الاقتصاد الجديد يمكننا إجمالها في ظهور اقتصاد ما بعد السوق ومجئ عصر بلا عمال وبلا فلاحين متعلمين بدون مدارس ولا أساتذة ؛ إذ تحولت الفلاحة بفضل التكنولوجيا والمواد الكيماوية والأنظمة المعلوماتية لاستغلال الأراضي والاستعمال الجيني والهرموني إلى ما بعد الفلاحة العصرية. وظهرت في الوقت نفسه شاشات العمل للقضاء على العمل في المكاتب مصحوبة بنخب التجريد الجديد. ومن ناحية أخرى أصبح الاقتصاد الجديد يتماهى وسرعة الضوء وتخفيض التكاليف وتقديم الهدايا للزبائن .ولم يغفل المؤلف اقتراح حلول لهذه الوضعية التي كان من أهمها دعوته ليمارس المجتمع المدني ضغطا كبيرا على الدول واقتراح إيجاد تعاقد اجتماعي جديد لإعادة توزيع الثروة.
الاقتصاد الافتراضي
في واقع الحال فإن جريمي رفكان ينظر لعصر اقتصادي جديد يشكل روح الرأسمالية الجديدة، اقتصاد يقوم على شبكات تكنولوجيات الإعلام والتواصل وعلى تدبير جديد (مانجمانت جديد) ، هو اقتصاد السبير- فضاء أو الهبير- فضاء أو الاقتصاد- نت أو اقتصاد المعرفة أو اقتصاد المعلومة e-économie وغيرها من التسميات والصفات والنعوت، إلا أنه بالنسبة لنا يظل اقتصادا افتراضيا.
يشتق الافتراضي virtuel من اللغة اللاتينية virtualis وvirtus وتعني القوة والسلطة.وفي الفلسفة يعني الافتراضي الموجود بالقوة.
إذن سيكون الافتراضي هو ما يشير إلى غياب الوجود الواقعي. إنه شئ من الوهم والخيال.والافتراضي لا يتعارض مع الواقعي، بل مع الراهني (الحالي).فقد تطرق الفيلسوف الفرنسي جيل دولوز للإمكان والافتراض محددا الإمكان كتشكل، كشئ سيتحقق دون حدوث أو حصول تغير لأن الإمكان واقع لا ينقصه إلا الوجود وتحققه ليس إبداعا. وباختصار إن الامكان استاتيكي وجامد وسكوني لأنه مكتمل التشكل.
وأما الافتراضي فهو معقد وإشكالي تصاحبه الميولات والاتجاهات والقوى. ومن خاصياته كذلك الدينامية، وهي حركية عكسية للراهنية. ففي حالة المقاولة الكلاسيكية نجد مقاولة تحتل حيزا في المكان المرئي تحتوي على بناية وعمال، وكل عامل يقوم بعمل ما (يحتل منصبا) ويشغل حيزا مكانيا، لكننا في المقاولة الافتراضية لا نجد غير شاشات العمل التي عوضت الحضور الفيزيائي للعمال موصولة بشبكة الاتصالات الالكترونية وبرانم متعددة. في هذا النوع الثاني من المقاولة ينتظم المكاني- الزماني للعمل وفق مشاكل مطروحة؛ أي أن الافتراضية تنطلق من الحل كمعطى إلى مشكل مطروح على عكس الراهنية التي تنطلق من المشكل إلى الحل. فالمقاولة الافتراضية لا تقبل التموقع لأنها راحلة، فهي ممزقة ومشتتة ومستأصلة لا وطن لها لأنها تعيش كعابر للأوطان.
يتوافق الاقتصاد الافتراضي والاقتصاد المستأصل، الاقتصاد الراحل والعابر للأوطان والبلدان، وهو الاقتصاد الذي يعبر عن نفسه كسياحة؛ السياحة كوجه بارز لهذا الاقتصاد الراحل: رحلات، فنادق، مطاعم. إنها المجهودات المضنية التي تبدلها الدول حتى يصبح الإنسان سائحا، راحلا، مهاجرا لبلده وسكناه وأكل البيت لينام ويأكل ويعيش خارج منزله. وقد نضيف إلى كل ذلك المنافسة الكبيرة بين شركات النقل سواء لاحتكار المسافرين أو المصنعة لوسائل النقل من سيارات وقطارات وطائرات وعلاقتها بالترحال والعبور والسفر والابتعاد عن مكان النشأة والمولد والوطن. ثم كذلك من خاصيات هذا الاقتصاد المستأصل توزيع المواد الذي لا يعمل هذا الاقتصاد إلا على ترحيلها وتهجيرها إلى هناك.
للاقتصاد الافتراضي مميزات منها:
يقوم هذا الاقتصاد على وسائل الاتصال الالكترونية والرقمية وهي جزء منه.
يقوم على أبناك المعطيات المباشرة.
يقوم على اقتصاد المعلومة (اقتصاد لامادي.(
يقوم على بيع الكفاية التي تعني القدرة على التجدد في سياق متحول.
يقوم هذا الاقتصاد على الإنسان- الآلة.
يقوم على السبير-فضاء الذي عوض المكان- السوق التقليدي في الاقتصاد الكلاسيكي باعتماد السوق المباشر على الخط وشاشات البيع، حيث سيرورات الإنتاج والتسويق مرتبطة بالفضاء الافتراضي.
انتفاء الوساطة مما يعني استئصال السوق الكلاسيكية.
ستكون أنشطة اللهو والبحث والتعلم افتراضية.وقد تعوض الإنترنت المدينة الفيزيائية، المدينة الافتراضية مدينة كونية واحدة: الشبكات كالطرق والشوارع، والحواسب والبرانم توازي السيارات الفردية، والمواقع كالدكاكين والمكاتب والمساكن، ومجموعات النقاش تعوض المقاهي والأماكن العمومية.
سيكون التعليم افتراضيا في أمكنة افتراضية (مدارس افتراضية، جامعات افتراضية...).
وخلاصة القول أن الاقتصاد الافتراضي هو اقتصاد عن بعد كالعمل عن بعد وكالتعليم عن بعد والتكوين عن بعد والبيع والشراء عن بعد والتحاور والتعارف عن بعد إلخ... ما يميزه هو غياب الجسد والمكان والذاتية لأنه ذكاء بلا وعي.
موقع الأستاذ

موقع تربوي مستقل يهتم بجديد التربية والتعليم بالمغرب

للتواصل معنا يرجي زيارة صفحة تواصل معنا: موقع الأستاذ

مدرسة النت Reviewed by موقع الأستاذ on 9:48 م Rating: 5 مدرسة النت بقلم ذ. الحسن اللحية أشرنا إلى وجود صراعات ونقاشات حول المدرسة وفي المدرسة اليوم،...

ليست هناك تعليقات:

جميع الردود تعبّر عن رأي كاتبيها فقط.