التصور النيوليبرالي للمدرسة - موقع الأستاذ

728x90 AdSpace

آخر المستجدات
الجمعة، 7 نوفمبر، 2014

التصور النيوليبرالي للمدرسة

التصور النيوليبرالي للمدرسة
التصور النيوليبرالي للمدرسة
ذ. الحسن اللحية
جاء في تقرير للأنترناسيونال للتربية International de l'Education الصادر في مسألة للنقاش(العدد2 ماي 1999 تحت عنوان الرهانات من أجل التربية العمومية) أنه مع فجر القرن الواحد العشرين ستتجاوز النفقات العمومية في التربية عالميا ألف مليار دولار بما فيها 50 مليون مدرس و مليار تلميذ وطالب دون الحديث عن البنيات والتجهيزات والمعدات والمتطلبات التكنولوجية التي تجعل من التعليم سوقا للتنافس بين المقاولات، بالإضافة إلى تطور التعليم عن بعد وإنشاء الجامعات الافتراضية.
تدخل التربية بالتحديد، حسب التعريف الذي تعطيه الكات ، في الخدمات المفتوحة. والمقصود بهذا القول ما يلي:
- إزالة الحواجز وهو ما يعني في التربية التعليم عن بعد.
- استهلاك منتوجات الآخر وفي التربية يعني استهلاك شواهد ودبلومات الغير.
-مباشرة التجارة عند الغير وفي التربية إيجاد جامعات ومعاهد بالخارج تسوق المنتوج.
- حضور ممثلين عن كذا... ويعني في التربية حضور أساتذة وخبراء...
لا يمكن إلا أن تتمخض عن هذا الانفتاح الكلي نتائج متعددة وانعكاسات كثيرة تعرض لها نيكو هيرت الباحث البلجيكي في عدة مؤلفات منها "المدرسة العاهرة"3 وفي العديد من المقالات كتلك التي سنأتي على ذكرها فيما سيأتي من حديث.
تنطلق أعمال هذا الباحث من ثلاث فرضيات هي:
- ملاءمة المدرسة مع منتظرات السوق.
- استعمال التعليم لتحفيز الأسواق.
- تحول المعارف والتربية إلى سوق جديد.
يرى نيكو هيرت أننا نشهد تحولات عميقة تتلخص في المرور من عصرثقل التعليم إلى عصر تبضيعه، بل إلى تبضيع مزدوج يتعلق بتكييف المضامين والبنيات والممارسات مع منتظرات السوق، ثم من جهة ثانية، نشهد تحول المعارف والمدرسة نفسها إلى قطاع جديد مبضعن. وكل ذلك ناتج عن التهافت على التنافسية والعولمة و الشمولية بالاضافة إلى تطور التكنولوجيات والاتصال والإعلام.
لقد اتسم الخطاب الباترونالي ما بين 1950و1975 عالميا بالكمية ولم تكن الباترونا تهتم بالمحتوى بينما سنرى حدوث العكس مع بداية الثمانينيات وتحديدا 1989 حيث تشكل بأوربا لوبي تحت اسم المائدة المستديرة الأوربية للصناعة ERTالذي تحسر لأن تأثيره على التعليم ضعيف، وبالتحديد البرامج المدرسية.و ذلك ما تأكد مع OCDE حيث ألحت إحدى وثائقها على تكييف التعليم مع معايير المقاولة للمساهمة في التنافسية بدء من سنة 2000.
وأما المجلس الأوربي فقد وافق في سنة 1997، المنعقد بأمستردام، على تنمية الكفايات المهنية والاجتماعية من أجل التكيف الأفضل للعمال مع نمو سوق الشغل وتطوره.و إن ما يهم هنا حسب هيرت هو مهر عمال المستقبل بمهارات وحسن التواجد التي تسمح بالليونة الاجتماعية والتكيف المهني. فعن طريق الكفايات تتدخل الباترونا في التعليم العام حيث نجد تعليم التكنولوجيات الجديدة للإعلام والاتصال المقدرة بسبعين في المائة من المناصب غدا، تلك التي ستنبني على تلك التكنولوجيات. ثم عملت الباترونا على أن تلعب دورا عن طريق تنظيماتها في التكوين و التكوين المهني وذلك حتى تتمكن من توجيه المضامين والأسس و تحويل المعايير لنصبح أمام ظاهرة جديدة هي المقاولة- المدرسة أو التقارب الممكن بين المقاولة والمدرسة.وأما عن التعليم العام فإنه سيخضع لاكراهات السوق ومن تم تتحول أنشطته إلى أنشطة تستجيب لمتطلبات السوق.
إذن لا يمكن أن نتحدث عن هذا التحول إلا في سياق تحول اقتصاد عالمي4 حيث العودة لليونة وتوفير كفايات لضمان التكيف5 ويصير المواطن مستهلكا. وحتى يضعنا نيكو هيرت في صورة ما ينتظرنا يلخص أشكال تبضيع التعليم في النقط التالية:
- تسويق الفضاء المدرسي
- إنتاج الخدمات والمنتجات التربوية المؤدى عنها
- وضع التعليم في وضعية السوق
- بناء التربية على شكل سوق
إذن نستخلص مما تقدم أن الاصلاحات الجارية حاليا في العالم كله تقع تحت تأثيرات الليبرالية الجديدة المتسمة حسب السسيولوجي الفرنسي بيير بورديو باليوتوبيا6 التي تستجيب لأطروحة السوق الخالصة (الإيمان بالتبادل الحر:تبادل بلا حدود وتسويق بلاحدود وتبضيع بلا حدود) عن طريق تحطيم جميع البنيات الجماعية القادرة على أن تكون عائقا أمام منطق السوق الخالصة: أمة، مجموعة عمل، ليحل التفريد كتفريد الأجور والمكانة بالانطلاق من الكفايات الفردية لتعم الليونة ويصبح التوظيف بالعقدة هو القاعدة. إنه عالم دارويني يصارع فيه الكل الكل على جميع المستويات الهرمية في الأدنى كما في الأعلى حيث يسود العنف البنيوي المجتمع والذي يرمي بظلاله على عقد الشغل.
إن الاصلاح كما يحدث عندنا في العالم العربي والإسلامي والمغرب وإفريقيا وبقية دول العالم يعني في العمق تجديد مهام المدرسة ووظائفها، وتغيير وتحويل وظائف المدرسة واستراتيجيات عملها.إنه تحويل للفضاءات والبنيات التحتية والمضامين وطرق التدريس والتكوين والبيداغوجيات والآفاق كذلك، وتحول في وظيفة المدرسين و دورهم... ولأن إشكالية المهام إشكالية مركزية في سوسيولوجيا التربية فإنها إشكالية اجتماعية كذلك تطال الدولة برمتها: السياسة، الاقتصاد، الجغرافيا...وأخيرا إنها إشكالية المواطن.
لقد دبجت Télérama في عددها 2778 بتاريخ 09أبريل2003 ندوتها عن بيداغوجيا الكفايات كالآتي:" ماذا تعني بيداغوجيا الكفايات؟ وماهي مهام المدرسة: هل ما تزال المدرسة تلعب دورها المؤسساتي في عالم يخضع لضغوطات المردودية؟".
إن الاشكالات المطروحة تنقسم إلى قسمين هما: بيداغوجيا الكفايات ومهام المدرسة في عالم يقوم على المردودية والنفعية المباشرة والآنية. والسؤال، في سياق اهتمامات هذا البحث، هو ما معنى أن تتبنى المدرسة الكفايات اليوم؟ وماهي مهامها وهي تتبنى الكفايات؟.
يدعونا نيكو هيرت لتأمل العلاقة القائمة بين المدرسة والمقاولة في احدى مقالاته النقدية المنشورة في"نداء من أجل مدرسة ديمقراطية" تحت عنوان " هل نحن في حاجة إلى عمال أصحاب كفايات أم إلى مواطنين نقديين"، حيث يرى أن العديد من الدول شرعت في مراجعة عميقة لبرامجها التعليمية على جميع مستويات التعليم الإلزامي والهدف من ذلك هو توافق تلك المقررات والمذهب المسمى المقاربة بالكفايات.
يرى الباحث نيكو هيرت أن أطروحته المعروضة مزدوجة. فالمقاربة بالكفايات ستكون عاجزة عن تحقيق وعودها، ومن جهة ثانية فإنها تساهم في إضفاء الصبغة الأداتية على سيرورة المدرسة.
هناك عدة تعاريف معطاة للكفاية، لكن الباحث يقدم لنا تعريفا واحدا له علاقة بالمرونة المطلقة، وهو التعريف القائل بأن" الكفاية هي مجموع مندمج ووظيفي للمعارف والمهارات وحسن التواجد وحسن المآل الذي يسمح، أمام عينة من الوضعيات، بالتكيف وحل المشاكل وإنجاز المشاريع". فالمذهب المسمى المقاربة بالكفايات يستهدف أساسا جعل الكفايات في مركز اهتمامات التعليم وليس تكديس المعارف.فهذه المقاربة لا يمكن أن تختزل في بيداغوجيا محددة لأنها تستدمج بوضوح تام رؤية لأهداف التعليم. ورغم ذلك فإن هذه المقاربة تستدمج بعض المقاربات البيداغوجية لأنها تجعل الممارسات التعليمية في توافق مع الأهداف: القدرة على حل المشاكل. وبذلك فالكفاية لا تكتسب إلا بجعل المتعلم فاعلا في تعلمه الذي يستطيع ممارسة وتعبئة معارفه ومهاراته في وضعيات ملموسة.
لا يخفي مفكرو المقاربة الكفاياتية الجسور الواسعة بين مذهبهم و التطور الحالي للمنتظرات وخطابات عالم الاقتصاد في مجال التعليم، وذلك ما يؤكده دوكتيلي بقوله أن العالم السوسيوإقتصادي هو الذي حدد فكرة الكفاية لأن الكبار الذين كونتهم المدرسة لم يكونوا مكونين جيدا لولوج عالم المهنية.وأما بالنسبة لبيرنو هناك علاقة بين المدرسة(الداخل) والخارج تتلخص في مواجهة الغد.
يتسم المحيط الاقتصادي باللااستقرار الكبير المتمثل في الصراعات التنافسية و إعادات البنينة و اللجوء إلى التكنولوجيات والدعوات المتزايدة إلى الليونة في سوق الشغل والمهنية والقضايا الاجتماعية للعمال، والليونة في أنظمة التربية والتكوين وتكيف المستهلك.وهكذا تبحث الباترونا عن تكسير العلاقة القائمة بين التأهيلات و الديبلومات لتقيم مقامها ثنائية جديدة تتمثل في الكفايات- التصديق المجزوءاتي.
إن البحث الذؤوب عن الليونة لا ينحصر في تنظيم سوق الشغل. فبالنسبة للعامل فإن اللااستقرار التكنولوجي والصناعي يترجم بالتحولات المتتالية لمحيط العمل و منصب الشغل والشغل وربما المهنة. فمن أجل الحفاظ على إنتاجية دائمة ومتوازنة ينبغي أن يكون العمال بدورهم يمتازون بليونة كبيرة، أي يستدمجون كفايات تسمح لهم بالتكيف مع الوضعيات الجديدة ويكتسبون معارف جديدة طوال حياتهم يستثمرونها في هذا الاتجاه. وباختصار يحشدون المعارف والمهارات وحسن التواجدات للتكيف وحل المشكلات المعقدة والجديدة. إنه بالتحديد ما تقترحه المقاربة بالكفايات في ميدان التربية على حد قول بيرنو:" على التلميذ أن يكون قادرا على تعبئة مكتسباته المدرسية خارج المدرسة في وضعيات مختلفة ومعقدة وغير متوقعة". ليس هنا أي شك في وجود علاقة واقعية بين أهداف المقاربة بالكفايات ومنتظرات عالم الاقتصاد.
لا يكتفي الباحث نيكو هيرت بتوضيح العلاقة بين المدرسة والمقاولة بل يتساءل وهو ينتقد بيرنو عن هذا النصر الذي أحرزته المقاربة بالكفايات وماإذا كان صدفة في الحقل المدرسي حيث صادف تاريخيا انقلابا اقتصاديا؟ إنه لمن الحذق الحديث عن الذكاء والإبداعية والاستقلالية أثناء الحديث عن الكفايات لتأكيد المرونة والتكيف الخاصين بالعمال. فمن الآن فصاعدا حينما" يؤكد لنا بيرنو بأن المقاربة بالكفايات تجيب عن هم النجاعة في التعليم والمواءمة الكبرى للتعلمات المدرسية مع وضعيات الحياة في العمل وخارج العمل" نكون أمام الملاءمة والتكيف عن طريق الكفايات ذات المستوى العالي. وبالنسبة للبعض الآخر فإن هم النجاعة و ملاءمة التعلمات وتحويلها إلى وضعيات حياة الشغل يمر عبر تحصيل كفايات عامة مثل المعرفة بالقراءة والكتابة و الحساب والتواصل و الإعلاميات والاستقلالية والليونة.
فما يطالب به الوسط الاقتصادي اليوم هو عقلنة التعليم بالانطلاق من حاجاته كسوق، وهي عقلنة تسمح بتقليص تكاليف مثل ما يحدث في السوق تماما.
إن ما يميز المقاربة بالكفايات حسب الباحث نيكو هيرت نجد ما يلي:
أولا: هجران المعرفة
إن أول منزلق هو تحول المعارف نحو المهارات، بحيث إن وضع التلاميذ في وضعية عمل مبني وفق مشاكل لا يعطى معنى لمعرفة تسمح لهم ببنائها تاريخيا وتحصيل فهم عميق.يقول بيرنود:" الكفايات لاتدير ظهرها للمعارف مادامت لا تستطيع تجاوزها. ولكنه بالمقابل ينبغي تقبل تعليم معارف أقل إذا أردنا فعلا تنمية الكفايات". ثم إن التعلم بالمشكلات يأخذ طابعا دوغمائيا، يقول بيرنود:" نتعلم المشي ونحن نمشي والغناء ونحن نغني. لماذا ينبغي أن نتعلم التفكير و الملاحظة و التخيل والتواصل والمفاوضة بشكل آخر غير ممارسة هذه الأنشطة في وضعيات متباينة حتى لا ترتبط الكفايات بسياق واحد ". ويعلق نيكو هيرت على قول بيرنود هذا بقوله أنه بكل تأكيد نتعلم المشي ونحن نمارسه وأما ماله علاقة بالغناء فهو أمر ثان على الأقل إذا كنا نتوخى مستوى عال، بحيث يتطلب الأمر معرفة بعلوم الموسيقى وتعلمات أساسية لا علاقة لها بالغناء في حد ذاته. وهكذا فإن الفكرة القائلة بأن الممارسة وحدها كافية للمرور إلى المعقد هي فكرة خاطئة.
ثانيا: البركولاج البيداغوجي
يرى بيرنو أن التدريس بالكفايات موجه نحو كفايات تتطلب من التلميذ حضورا قويا في المهمة وليس فقط الحضور الفزيائي والذهني والعاطفي، إلا أن هذا الحضور (التورط) وهذا الاستثمار للحضور الفزيائي والذهني والعاطفي قد يسقط في نقيض مما هو مراد ، أي في عكس الأهداف المسطرة. مثلا في المدارس التي تتوفر فيها شروط التحفيز كمدارس النخب يمكن ذلك بينما في المدارس العمومية النظامية يكون الأمر غير ذلك.
ثالثا: المعرفة من أجل المعرفة أم المعرفة من أجل الفعل؟
لا يمكن رفض المعارف الأداتية بجرة قلم. فقبل كل شئ ماذا يعني تعلم المعارف إذا لم تكن مفيدة. تهم المعارف في الفعل، وهي تعطي قوة لفهم العالم. وينبغي الانتباه إلى أن توسع قاعدة المتعلمين بدأت تدفع إلى تقليص المعرفة من حيث أنها سلطة وقوة لفهم العالم والمحيط والمساهمة في التغيير.
إن ما يلاحظ أن المدرسة لم تعد تقدم إلا القليل من المعارف: معارف سطحية بالأشياء وهذا الأمر نفسه سمة من سمات الفشل والمرور نحو التعليم الأداتي.
موقع الأستاذ

موقع تربوي مستقل يهتم بجديد التربية والتعليم بالمغرب

للتواصل معنا يرجي زيارة صفحة تواصل معنا: موقع الأستاذ

التصور النيوليبرالي للمدرسة Reviewed by موقع الأستاذ on 10:37 م Rating: 5 التصور النيوليبرالي للمدرسة ذ. الحسن اللحية جاء في تقرير للأنترناسيونال للتربية Internation...

ليست هناك تعليقات:

جميع الردود تعبّر عن رأي كاتبيها فقط.