فعالية التكوين المستمر: بين التحليل والتقييم - موقع الأستاذ

728x90 AdSpace

آخر المستجدات
الأحد، 8 فبراير، 2015

فعالية التكوين المستمر: بين التحليل والتقييم

فعالية التكوين المستمر: بين التحليل والتقييم
فعالية التكوين المستمر: بين التحليل والتقييم
بقلم خالد فتاح
مهتم بقضايا التربية والتكوين مكناس
شهدت الساحة التربوية المغربية خلال السنوات الأخيرة، خاصة في مرحلة البرنامج الاستعجالي 2009/2012، حركية غير مسبوقة في التكوينات المستمرة التي استهدفت جل فاعلي النظام التربوي من أساتذة وإداريين وأطر توجيه وتخطيط...وقد رصدت لها موارد مهمة بهدف الرفع من القدرات المهنية للمستفيدين منها، والتي من المفترض أن يكون لذلك تأثير على المتعلم والمتعلمة بشكل خاص والمنظومة التربوية بشكل عام. 
إلا أنه عندما تستفسر بعض المستفيدين من هذه التكوينات عن قيمتها المضافة في ممارساتهم المهنية، تتلقى إجابات تارة تكون مؤلمة وتارة عميقة وتارة أخرى غريبة. فبعضهم يجيبك بكونه لايعرف حقيقة، لماذا هو في هذا التكوين؟ وهل كان ضروري تنظيمه؟ وآخر، يجيبك أن هذه التكوينات لم تمس الممارسات المهنية بشكل مباشر وبقيت موسومة في الغالب الأعم بالضبابية. وثالث يثير مسألة العلاقة بين هذه التكوينات والمسار المهني. وبنفس عميق، يهمس في أذنك رابع قائلا "غداء اليوم الثاني لم يكن في المستوى المطلوب".
هذه الإجابات رغم بساطتها وتلقائيتها تحمل في ثناياها دلالات عميقة، وتثير تساؤلات كثيرة حول هذه التكوينات ومدى تحقيقها لأهدافها، وهل كان معدوها يعتبرونها، بالفعل، استثمارات في الموارد البشرية يتغيى من ورائها الرفع من المردودية الداخلية والخارجية للمنظومة التربوية، أم كانت مجرد تكوينات من أجل التكوينات فحسب. وهل فعلا أدت هذه التكوينات الوظائف التي أنتجت من أجلها؟
إذا كان التكوين المستمر يتمثل عموما في الأنشطة التكوينية الموجهة لتحسين أداء أو رسكلة الأشخاص الذي سبق وأن استفادوا من تكوين أساسي، وذلك من خلال أداء وظيفة تحيين، أوتجديد، أوتطوير مختلف المعارف والخبرات والمهارات والكفايات والقيم والتصورات والممارسات المتعلقة بمجال مهني أومعرفي، أوعلمي محدد"؛ فقد أصبح في العصر الراهن، عنصرا استراتيجيا في منظومة الاستثمار في الموارد البشرية لدى المنظمات والمؤسسات الحديثة، يبتغى من ورائه الإسهام في حل إشكالاتها الاقتصادية، والتكنولوجية، ويساهم في الرفع من تنافسيتها. 
هذا البعد الاستثماري للتكوين المستمر، ساهم في الانتقال به من منظور بيداغوجي، يختزله في عملية لنقل المعارف من شخص إلى آخر؛ إلى منظور سوسيوبيداغوجي ومهني يعتبره توليفة للعديد من العناصر الفردية والتنظيمية والتعلمية والمهنية. من هذا المنظور، فالإجراءات والتدابير المرتبطة بالتكوين المستمر أصبحت تستند إلى أسس ما يعرف بهندسة التكوين، كمفهوم له أصوله النظرية والمنهجية والعملية. 
يعرف "كاي لوبترف" ( Gay le Boterf) هندسة التكوين بكونها "مجموعة منسجمة من الخطوات المنهجية لتصميم وإنجاز أنظمة التكوين. أما "أبراهام بان" (Abraham Pain)، فقد أشار أن هندسة التكوين هي "منهجية تأخذ بعين الاعتبار أكبر قدر ممكن من المتغيرات عند إعداد فعل التكوين، وتفترض إجراء خطوة استباقية لتصميم، وتخطيط، وتنفيذ التكوين، بإشراك كافة الفاعلين". وعرفت أيضا، "بمجمل الخطوات المنهجية المترابطة التي تطبق في إعداد وتصميم فعل وعدة التكوين من أجل بلوغ الأهداف المحددة له بفعالية، وأن هذه الخطوات تتمثل في: تحليل حاجات التكوين؛ وتصميم مشروع التكوين؛ وتنسيق ومراقبة تنفيذ هذا التكوين؛ وتقييم تأثيراته.
الخطوة الأولى: تحليل التكوين
خطوة التحليل تتعلق بتحليل طلب التكوين أوتحليل حاجاته. يشير"كاي لوبتورف" (Gay Le Boterf)، أن حاجات التكوين لاتتواجد من تلقاء نفسها، بل تتمثل في جملة الفوارق (Les écarts) التي يمكن رصدها وتحليليها إما بالنسبة لوضعيات خاصة في الممارسة المهنية، أوبالنسبة للمسببات التي ساهمت في إيجاد هذه الفوارق (اختلالات، مشاريع، تطورات مهنية، تطورات ثقافية، ...). لذا فخطوة التحليل تتغيى بالأساس الإجابة على الأسئلة الثلاث التالية: لماذا تنظيم هذا التكوين؟ من المستهدف به؟ وكيف يمكن تنظيمه؟.الإجابة على هذه الأسئلة، تقتضي إجراء عدة تحليلات، من بينها تحليل سياق التكوين، وتحليل حاجاته الاستراتيجية والعملية والبيداغوجية، والتي تسعف في تحديد أهدافه الاستراتيجية والعملية، وبالتالي أهدافه التكوينية والبيداغوجية.
تحليل سياق التكوين يتمثل في جمع وتحليل معلومات حول التنظيم المعني بهذا التكوين، وطرق اشتغاله، والفاعلين المعنيين بالوضعية المرتبطة بطلب التكوين، ورهاناتهم، وأهدافهم المعلنة والضمنية،...إلخ.. هذا التحليل يسهم في التأكد من أن التكوين يعتبر فعلا حلا من بين حلول أخرى كفيلة بتجاوز الإشكال أو مسوغ طلب التكوين. بعد التأكد من ذلك، لابد من إجراء تحليل للحاجات الاستراتيجية للتكوين، و المتمثل في رصد الفارق بين الأداء الملاحظ والأداء المنشود في الوضعية التي ساهمت في طلب التكوين. فتكوين موجه للأساتذة العاملين بالعالم القروي، مؤكد أنه سيختلف، من حيث المحتويات ووسائل التصريف، عن تكوين موجه لأساتذة يعملون بالوسط الحضري. هذا التحليل يسعف في تحديد الأهداف الاستراتيجية أوالتطورية للتكوين، والتي تحيل على التغيير المراد تحقيقه في الأداء بعد الاستفادة من التكوين. 
بعد تحديد طبيعة هذا التغيير والتعبير عنه بأهداف واضحة، يتم المرور لإجراء تحليل للحاجات العملية للتكوين، والمتمثل في تقدير التحولات الملموسة التي يمكنها أن تطرأ، بعد مرور بعض الأسابيع أوالأشهر من التكوين، على الكفايات الفردية أوالجماعية للمستفيدين منه. هذا التحليل يسمح بتحديد الأهداف العملية للتكوين، والتي يقصد بها الفارق الذي يجب إنقاصه بين مسببات الفارق الملاحظ في الأداء، ويعبرعنها بنتائج قابلة للملاحظة والقياس في الممارسة المهنية . وتجدر الإشارة، أن هذا التحليل يسعف أيضا في تحديد الشروط الكفيلة بالتطبيق الأمثل لمكتسبات التكوين، والتي تسهم في تحقيق أهدافه العملية. 
من خلال ما حدد من أهداف استراتيجية وعملية للتكوين، يتمكن مهندس التكوين من ترجمتها إلى أهداف تكوينية، والتي تحيل على ما هو منتظر من المستفيدين القيام به بعد التكوين. بعد تحديد هذه الأهداف بكل مستوياتها، يتمكن مهندس التكوين من بلورة مشروع أولي لهذا التكوين يتضمن السياق الذي يندرج فيه هذا التكوين وأهدافه، والتوجهات العامة لمشروع التكوين، والمستهدفين به، ومخططا لمختلف مراحل إعداده وتنفيذه، ومختلف الوسائل البشرية والمادية والتقنية والمالية التي يمكن توظيفها لتنفيذه وتتبعه وتقييمه.
الخطوة الثانية: التصميم 
يتعلق الأمر بتصميم العدة التنظيمية والبيداغوجية للتكوين المناسبة لما تم تحديده من أهداف استراتيجية وعملية وتكوينية، وتتوج بإعداد دفتر تحملات التكوين وعدته البيداغوجية. فمن خلال المفاوضات التي يجريها مهندس التكوين مع جل الفاعلين المعنيين حول عناصر المشروع الأولي المعد سلفا، ومن خلال التعديلات التي يمكن إدخالها على هذا المشروع جراء هذه المفاوضات. يتمكن من إعداد ما يعرف "بدفتر تحملات التكوين"، والذي يعتبر "وثيقة تعاقدية بين طالبي التكوين، وبين الجهة التي ستتكلف بتقديم خدمة التكوين لبلوغ الأهداف المتوخاة منه"، والذي يعتبر المنطلق لإعداد عدته البيداغوجية ومنهجيات تصريفه وتقييمه. يمكن أن يتضمن دفتر تحملات التكوين ، حسب "كاي لوبوتورف" ( Gay Le Boterf)، العناصر الأساسية التالية: المساهمة المنتظرة للتكوين حسب الطلب المعبر عنه؛ وخصائص الفئات المستهدفة بالتكوين؛ والأهداف والكفايات المراد تحقيقها؛ والبرمجة الزمنية لإجراء التكوين؛ وكيفيات وشروط تنفيذ التكوين من حيث الوسائل والتنظيم و... ؛ وخصائص ومميزات الجهة التي ستتكلف بتقديم خدمة التكوين؛ والشروط الضرورية لتطبيق مكتسبات التكوين؛ ومنهجيات وعدة تقييم التكوين.
بعد إعداد دفتر التحملات، يتم تصميم وإعداد العدة البيداغوجية للتكوين وسبل تنفيذها وتقييمها بانسجام تام مع ما سطر من أهداف في هذا الدفتر. تصميم هذه العدة يقتضي الاستناد إلى نتائج تحليل الحاجات البيداغوجية للتكوين، والذي يتمثل في تحليل الفارق بين مكتسبات المستفيدين القبلية والمكتسبات المنشودة. هذا التحليل يسعف في تحديد الأهداف البيداغوجية للتكوين، والتي قد ترتبط بتغيير اتجاهات المستهدفين نحو موضوع ما، أوتزويدهم بمعارف، أوتنمية مهارتهم في مجال ما. هذه الأهداف تعتبر المنطلق لبناء وتنظيم الوحدات البيداغوجية للتكوين وتقييم مكتسباته. لذا فصياغتها الدقيقة تسعف بشكل كبير في تحقيق هذا المبتغى، حيث يستحسن أن تصاغ على شكل: في نهاية التكوين، على المستفيد أن " يكون اتجاهات إيجابية نحو..." أو " أن يتعرف على..." أو" أن ينمي مهاراته في...". 
وقد لخص "كاي لوبوتورف " أهم العناصر التي يمكن أن تتضمنها العدة البيداغوجية للتكوين، فيما يلي : الأنشطة المراد إنجازها والأهداف والكفايات المرتبطة بها؛ والأهداف البيداغوجية لكل نشاط (معارف، مهارات، اتجاهات، ...)؛ والمكتسبات القبلية للمستهدفين؛ ومحتويات التكوين وفق الأهداف المسطرة؛ والوسائل والمنهجيات والطرق البيداغوجية التي يجب توظيفها حسب مدة وزمن التكوين؛ والعدة الوثائقية التي ستوزع على المؤطرين وعلى المستفيدين؛ إضافة لعدة تقييم مكتسبات التكوين. 
ونشير أيضا، أن إعداد العدة البيداغوجية للتكوين، يقتضي الأخذ بعين الاعتبار بعض المعايير في صياغتها من قبيل: الدقة، ويقصد به دقة المادة التكوينية من حيث الشكل والمضمون. التركيز، بمعنى التركيز على المعلومات والأنشطة اللازمة لتحقيق أهداف البرنامج التكويني فقط. ودرجة الصعوبة، حيث يجب تقديم المادة التكوينية وفق المستوى اللغوي والفني (التقني) للمستهدفين.
وجدير بالذكر، أن بعض التكوينات تتطلب سياسة منهجية منظمة لتوصيل المعارف والمهارات للمتدربين، لذا فإعداد المؤطرين، أوما يعرف بتكوين المكونين، يعد خطوة أساسية لتمكينهم من تكوين الآخرين بنجاح. ويبتغى من هذه العملية أيضا توحيد الأهداف والمحتويات الخاصة بالتكوين، وضبط منهجية تصريفه، وكذا ضبط آليات تقييمه، وذلك في أفق تحقيق الأهداف المتوخاة منه.
الخطوة الثالثة :التنفيذ 
تتعلق هذه الخطوة بتنفيذ برنامج التكوين، وتقتضي القيام بعدة إجراءات يمكن إجمال أهمها فيما يلي:
. إعداد مخطط تواصلي بشأن مشروع التكوين يستهدف جل فاعليه، خاصة المستهدفين والمؤطرين، من خلال تداول معلومات بشأنه مثل: سياق وأهداف التكوين، ومحتوياته، وفترات إجرائه، وبرنامج تنفيذه، وآليات تقييمه. ومن منطلق أن استعداد المستهدفين للتعلم يعد عنصرا أساسيا لإنجاح التكوين، وأن كل مستهدف هو بحاجة للتعرف على ما ينتظر منه بعد التكوين، فالهدف الأساسي من هذا المخطط التواصلي القبلي هو الرفع من حافزية المستهدفين للتفاعل أكثر مع ما محتويات هذا التكوين؛ 
. إعداد عدة لقيادة مشروع التكوين، على جميع مستوياته التنظيمية والبيداغوجية والمالية، من خلال بلورة لوحة قيادة لتتبع تنفيذ مشروع التكوين. هذه اللوحة تساهم في رصد أوجه القوة وأوجه القصور في عملية التنفيذ، وتسعف في الرفع من فعالية التكوين؛
. تعيين وتعبئة وتنسيق أعمال فريق متعدد الاختصاصات للإشراف على تنفيذ التكوين، من أجل توفير الوسائل الكفيلة بتحقيق أهدافه (مكان التكوين، التجهيزات، المعينات، التغذية،....). 
الخطوة الرابعة: التقييم
خطوة التقييم، ليست عملية تتم بعد التكوين، بل هي جزء لايتجزأ من سيرورة تحليل وتصور وتنفيذ التكوين. وعليه، فتقييم التكوين يمكن أن يتم قبل التكوين، وأثنائه وبعده، كما يمكن أن يستهدف الحاجات التكوينية، أوأهداف التكوين، أومحتوياته، أونتائجه...، لذا فهندسة التكوين تقتضي إعداد عدة تقييمية مصاحبة لسيرورة التكوين، ضمانا لقياس وجاهته وفعاليته ونجاعته.
وحري بالذكر أن الغاية الأساسية لهندسة التكوين تتمثل في البحث عن أمثل السبل لتحقيق أفضل نتائج الاستثمار في التكوين، وأن هدفها الجوهري هو تحقيق فعالية هذا التكوين، بداية من خلال موقعته في سياقه السوسيومهني العام ، مرورا بالتحكم في الوسائل الضرورية والكافية لتصريفه ن في أحسن الظروف الممكنة، وانتهاء بتقوية فعاليته والرفع من مردوديته.
هوامش
- أحمد ماهر، "إدارة الموارد البشرية"،الدار الجامعية، الاسكندرية، مصر، 1999، ص ص 336-338.
- هشام طالب، "دليل التدريب القيادي" ،سلسة التنمية البشرية،المعهد العالمي للفكر الاسلامي، دار الأمان، الرباط، المغرب،2003، ص281
- مصطفى محسن ، "رهانات التكوين المستمر بين التجديد والتطوير وتنمية الموارد البشرية"، مجلة عالم التربية، عدد19، منشورات عالم التربية، مطبعة النجاح الجديدة، الدار البيضاء ، 2010، ص74.

- Gay Le Boterf, « Comment investir en formation », Les éditions d’organisation, Paris, 1989.
- Gay Le Boterf, « Ingénierie et évaluation des compétences », Les éditions d’organisation, Paris, 2005.
- Therry Ardouin, “Ingénierie de la formation pour l’entreprise: Analyser, concevoir, réaliser, évaluer, DUNOD, Paris, 2 edition, 2006.
- Frédirique Cuisiniez et Ghuyslaine Roy-Lemarchand, « Réussissez vos actions de formation », ESF, Paris, 2008.
- Marc Dennerry, « Evaluer la formation après le réforme : Des outils pour maîtriser son budget formation », ESF, Paris, 2e édition, 2005.
- .
- Abraham Pain, « Evaluer les actions de formation », Les éditions d’organisation, Paris, 1995
- Thierry Ardouin, Sylvain Lacaille, « L’audit de formation : Comprendre, réaliser, et évaluer », DUNOD, Paris, 2005.
- Marguerithe Alti, « Formations des enseignants : quelle professionnalisation », De Boeck, Paris, 2002.
موقع الأستاذ

موقع تربوي مستقل يهتم بجديد التربية والتعليم بالمغرب

للتواصل معنا يرجي زيارة صفحة تواصل معنا: موقع الأستاذ

فعالية التكوين المستمر: بين التحليل والتقييم Reviewed by موقع الأستاذ on 2:58 م Rating: 5 فعالية التكوين المستمر: بين التحليل والتقييم بقلم خالد فتاح مهتم بقضايا التربية والتكوين مكن...

ليست هناك تعليقات:

جميع الردود تعبّر عن رأي كاتبيها فقط.