المهنية عند ف.بيرنو - موقع الأستاذ

728x90 AdSpace

آخر المستجدات
الاثنين، 6 أبريل، 2015

المهنية عند ف.بيرنو

المهنية عند ف.بيرنو
المهنية عند ف.بيرنو
الحسن اللحية
إن مهنة المدرس ليست واقعا موحدا لأن المهنة تختلف حسب الشعبة والمادة والمستوى المدرس والمؤسسة والمنطقة الجغرافية. كما يجب الاحتراس من التعميم لأنه لكل مرحلة شروط لممارسة المهنة فيها، لكل مرحلة إكراهاتها وأوضاعها لكن هناك ثلاث محاور كبرى تعمل على تحويل وتغيير مهنة المدرس هي:
أولا: كانت الرهانات السياسية منذ قرن تتمثل في تعميم التعليم دون التطرق لتكافؤ الفرص أو المكتسبات. وأما الحديث الآن فيدور حول جعل كل جيل في مستوى عال من التكوين بعيدا عن إتقان المعارف الأساسية كالكتابة والقراءة والحساب. أضحى الخطاب السياسي التربوي يركز على تهيئ الناس للعيش في مجتمع معقد ومتعدد الثقافات ومصاب بالتحولات التكنولوجية السريعة وإعادة التشكلات الجغرافية والديمغرافية والاقتصادية والثقافية التي قلبت المشهد اليومي لكل فرد فرد، مثلها في ذلك مثل شروط العمل والسكن والاستهلاك والتواصل والتعايش.
إن هذه الجوانب المتعلقة بالسياسات التربوية تتوخى من المدرسة أن تكون ذات فعالية أكثر فأكثر. لم يعد الحديث عن متابعة الدراسة إلى نهايتها هو ما يهم الآن: إشكالية الفشل الدراسي, إن ما يهم هو تعليم المراهقين والأطفال كيف يلجون سوق الشغل بأسرع وقت ممكن عبر تنمية كفايات دنيا حتى يصبحوا مواطنين صالحين وعمالا صالحين كذلك؛ لذلك رفع سقف المطالب: يراد من النظام التربوي ومن المؤسسات التربوية والتعليمية ومن المدرسين أن يكونوا ناجعين وفعالين أكثر فأكثر في الفعل التربوي. وهكذا صار تقويم أداء النظام التربوي محط اهتمام لا مثيل له.
هناك تحول ثان آخذ في الحدوث يتمثل في بطء النمو الاقتصادي، حيث أصبحت البطالة بنيوية وانحسرت ميزانية التربية والتعليم بل انخفضت، ورغم ذلك بدأ الحديث عن القيام بما هو أحسن بنفس الموارد وبنفس الوسائل المحدودة. إنه ضغط ثان ينضاف إلى الأول على المدرسة، يستهدف مردودية و نجاعة الفعل البيداغوجي.
والجانب الثالث الذي ساهم و يساهم في تحول وتغيير مهنة المدرس أو في جعلها صعبة يتمثل فيما يوازي المدرسة: المدرسة الموازية كالتلفاز والفيديو والوسائط الإعلاميائية والسمعية والبصرية والمسجلات والأنترنت...إلخ. كان ينظر فيما سبق إلى هذه الوسائل كمنافس سيقتل المدرسة والمدرس لكنها اليوم تشكل مصادر متنوعة تتمثل في التوثيق ومنح المدرس إمكانات لا حصر لها في ممارسة التدريس بشكل لم يسبق إليه مثيل. إنه شيء مهم بالنسبة للمدرس لكنه مكلف ومضني لأنه يتطلب منه التكيف مع التحولات ومع التجدد المتسارع للمعارف العلمية والممارسات الاجتماعية والبرامج. 
وتجب الإشارة إلى أن الأسر تغيرت بدورها وتعددت وتنوعت ولم يعد الجميع يرسل الأطفال إلى المدرسة ليخضعوا لسلطة المدرس أو ليتحملوا كلفة تدريس أبنائهم. وربما لمثل هذه الأسباب يجهد كثير من المدرسين أنفسهم يوميا ليبدعوا وليعيدوا إبداع شروط علاقة بيداغوجية تستجيب لهذه التحولات. 
كما وجب التذكير اليوم بلامبالاة التلاميذ، وتضاعف العنف، وتدني مستويات التمكن من اللغات والعلوم، ورفض النصوص الكلاسيكية، ورفض الاستظهار، وتعميم الدروس الخصوصية...إلخ فكل هذه المظاهر تستدعي إعادة النظر في دور المدرس أو لنقل في مهنية المدرس.
منذ مدة طويلة وفليب ميريو يشتغل على البيداغوجيا الفارقية ليحرض المدرس على مواجهة التنوع في كل شيء شيء وليحثه على امتلاك قدر كاف من تنظيم وضعيات تعلمية و مفردنة لمسارات التكوين عوض النقل الخالص والبسيط للمعارف. 
هل هذه الدواعي أو بلغة بيرنو هذه التحولات كافية لنقبل بمهنية المدرس؟ لننطلق من السؤال التالي: هل التعليم مهنة أم حرفة منفذة؟ حسب الانجلوساكسونيين فإن المهنة ليست حرفة كباقي الحرف لأنها تتسم بتكوين طويل ومسؤولية فردية قوية وتعبئة للمعارف ذات المستوى العالي في وضعيات الشك والاستعجال وأمام التعقيد. والمهنة كذلك هي جماعة اجتماعية منظمة بشكل قوي تعمل بأخلاقيات المهنة وأدب ومراقبة واسعة للتكوين الأساسي والتكوين المستمر. فكل مهني كالطبيب مثلا سواء أكان أجيرا أو مستقلا يسترشد بالمعارف وكفايات وأهداف عامة وأخلاقيات، فهو من هذه الناحية ينتمي للمهنيين الباحثين عن الوسائل والطرق والإجراءات التي تمكنهم من بلوغ الأهداف دون المس بالأخلاقيات. وعلى عكس كل هذا نجد حرفة المنفذ الذي لا يتوفر على أي استقلالية في التصور والإبداع والإنجاز لأنه يتبع قسرا إجراءات عملية موضوعة من طرف الغير: مكتب دراسات، مسؤول عن كذا، مهندس كذا أو كذا، أصحاب الدازين...إلخ. يرى فليب بيرنو أن السوسيولوجين رأوا في مهنية المدرس نصف مهنة لأنها قريبة من الطبيب من بعض الوجوه وقريبة من المنفذ في وجوه أخرى. نقول عن مدرس مهني بأنه:
o قادر على إنجاز أنشطة تعليمية ليست ترقيعا وإنما هي مؤشرات على كفايات مهنية؛
o صاحب تكوين ديداكتيكي رصين يساهم في التنمية المهنية : تنمية كفايات ديداكتيكية؛
o مهيئ لممارسة مهام مستقبلية معقدة متعددة ومتنوعة الإحالات بعيدا عن الترقيع؛ 
o معترف بقيمته في المهنة : مهاراته المهنية؛
o يلتقي المدرس وهو يمارس مهنته بالفنان والصانع؛ 
o قدرته على تأمل ما يقوم به؛
o قدرته على إعطاء معنى لما يقوم به؛
o قدرته على استلهام الأخلاق axiologie؛ 
o قدرته على وضع خبرته لحل المشاكل الدراسية الفردية لصالح كل تلميذ على حدة؛
o إيمانه بأن كل فشل دراسي ليس مقدرا على التلاميذ ويعمل من أجل تجاوز ذلك؛
o قدرته على تنبؤ الفشل ومعالجة الفوارق بين التلاميذ دون تحويلها إلى لا مساواة فيما بينهم؛
o اعتباره عالما وفنانا وتقنيا ومهندسا و ساحراوتقنيا حرفيا يفكر فيما يقوم به، وباحثا وممثلا اجتماعيا أو موظفا ينفذ توجهات ما؛
o المهنية هي الطريق نحو القدرة على حل المشاكل المعقدة في إطار الأهداف العامة والأخلاق المهنية؛ 
o المهنية هي القدرة على أن يكون المدرس مستقلا ومسؤولا؛
o المهنية هي الخبرة المعقدة المركبة التي تكون في إطار نسق من الإحالات والقيم والمقاييس أو لنقل في إطار من أخلاق المهنة أو في إطار من العلم والوعي؛
o المهنية هي تعويض ما نقوم به حدسا تقليديا بمهارات عقلانية وعلمية؛ 
o مهنية المدرس هي كفايات نوعية ومتخصصة تقوم على معارف عقلانية معروفة منبعها العلم؛ 
o ... إلخ. 
لكن هل المهنية المتحدث عنها تعني الحرية دون مسؤولية؟ إن المهنية لا تعطي الحق للقيام بما نريد لأننا نريده، إنها القبول بتقديم كشف الحساب على الأقل فيما يخص الوسائل التي نعتمدها في بلوغ الأهداف البيداغوجية. 
إن المهني هو من يقول ماذا علم لتلاميذه وليس من يقول بأنه يطبق البرنامج لأنه برنامج، وهو من يقول كيف اختار هذه البيداغوجيا ولماذا اختارها، وكيف خطط درسه...إلخ، إنه بالجملة من يقول بأنني مسؤول عن الفشل والنجاح بسبب كذا وكذا. 
إن المهنية لا تكون بدون مرجع للكفايات أو بدون إطار مرجعي أو تحديد عام للموصفات؛ وذلك ما سنفصل فيه الحديث في مقال قادم.
موقع الأستاذ

موقع تربوي مستقل يهتم بجديد التربية والتعليم بالمغرب

للتواصل معنا يرجي زيارة صفحة تواصل معنا: موقع الأستاذ

المهنية عند ف.بيرنو Reviewed by موقع الأستاذ on 6:52 م Rating: 5 المهنية عند ف.بيرنو الحسن اللحية إن مهنة المدرس ليست واقعا موحدا لأن المهنة تختلف حسب الشعبة...

ليست هناك تعليقات:

جميع الردود تعبّر عن رأي كاتبيها فقط.