نحو تفكير مغاير في المدرس(ة) - موقع الأستاذ

728x90 AdSpace

آخر المستجدات
الاثنين، 6 أبريل، 2015

نحو تفكير مغاير في المدرس(ة)

نحو تفكير مغاير في المدرس(ة)
الحسن اللحية
مقتطف من دليل المدرس(ة)
تمهيد:
لماذا هذا الدليل؟
إن فكرة إنجاز هذا الدليل الخاص بالمدرس(ة) لم تكن وليدة اليوم أو جاءت بسبب مناسبة عابرة. فقد اشتغلنا على فكرة المهنية مع طلبتنا مدة من الزمن، وألقينا بصددها محاضرات وعروض هنا وهناك . كما ساهمنا في وضع الأطر المرجعية التي تهم جانبا من جوانب مهنة المدرس فيما سمحت به ظروف الاشتغال وسقف المطلوب إنجازه. ونشرنا في مواقع ومنابر مختلفة مقالات تناولت بعض جوانب الموضوع، ومؤلفات أثارت كثيرا من القضايا التي تهم مهنية المدرس(ة) إن بشكل مباشر أو غير مباشر. وشاركنا في لقاءات حول الموضوع نفسه في مناسبات عديدة...؛ لذلك نعتبر هذا العمل تركيبا أوليا لمادة غزيرة تراكمت لدينا في الموضوع، وفرصة لطرح مفهوم المهنية للنقاش العام. 
لهذا الدليل أبعاد أساسية منها:
o البعد التكويني: يهم هذا البعد رسم معالم الرهانات التي ينبغي أن يتعمق فيها التكوين (التكوين الأساسي والتكوين المستمر والتكوين الذاتي)؛ بدء بولوج مهنة التدريس وصولا إلى ممارستها الفعلية.
من المؤكد أن البعد التكويني أساسي وملحاح لأن الاصلاحات المتتالية التي يعرفها النظام التعليمي على مستوى العالم أو المغرب ، كما يرى جون بيير أستولفي، أدخلت تحولات عميقة في تصور التعلمات المدرسية، ورافقتها تبدلات في المعجم المستعمل لوصف التعليم والتعلم، أو لنقل وصف ما يحدث في الميدان؛ في القسم وفي جميع أمكنة التعلم حيث يوجد المدرس والمتعلم. وتدور هذة التحولات المعجمية حول ما يلي:
الانتقال من المدرس المؤدب إلى المدرس المكون؛
الانتقال من المدرس المعلم إلى الوسيط؛
الانتقال من التلميذ إلى المتعلم؛
الانتقال من المقرر إلى كيركيلوم: المنهاج دراسي؛
الانتقال من الدرس إلى العدة؛
الانتقال من تلقين الفكرة إلى بناء المفهوم؛
الانتقال من التدريس المعتمد على الذاكرة إلى المعرفي: حل المشكلات؛
الانتقال من تدريس المعرفة كمعرفة إلى بناء الكفاية؛
الانتقال من المراقبة إلى التقويم.
إن المتأمل لهذا المعجم "الجديد" مليا ليدرك – ولو حدسيا- أن مهنة التدريس دخلت طورا جديدا أقل ما يصطلح عليه هو عصر المهنية أو إرادة تمهين وظيفة التدريس.
صحيح أن مفهوم المهنية في التعليم يثير كثيرا من الغموض وكثيرا من الالتباس من لغة إلى لغة ويمس التصورات القبلية: التمثلات. ففيما يخصنا نحن لم نحدث قطيعة فعلية مع شيخ الزاوية: شيخ يمتلك المعرفة والحقيقة وربما البركة- ولهذا اقترن المدرس في المغرب بالفقيه، بحيث يجب تقبيل يده لعلمه وبركته احتراما- ومريد يتلقى ويتحلق حوله ولا حق له إلا بالسؤال إن سمح له الشيخ بذلك. فهذا النمط ما يزال يسكن مؤسساتنا التعليمية والتربوية والتنشئوية، وفي أبعاد أخرى يسكن السياسة والاقتصاد...إلخ، وهو النمط المعبر عنه بيداغوجيا بالنقل : ثقافة الفم والأذن (ثقافة تناقل الأخبار والقصص والحديث بالعنعنة دون تدوين: قال لي شيخي وحدثني زعيمي وأستاذي...). هناك من يحدث بلا نهاية حسب هواه، وهناك من يسمع بلانهاية حسب هوى المحدث. حديث المحدث هو أصدق الحديث، وحديث المستمع هو نسخة مشوهة عن الحديث الصادق؛ لذلك يجتهد المريد- المستمع-المتلقي-التلميذ-الطالب-الإبن-المشايع-التابع...إلخ، في حفظ الحديث الصادق- حديث الأولين ، حديث الشيخ، حديث الأستاذ ليرده بكل أمانة (كلحظة الامتحان القائمة على رد القول، رد البضاعة) أو يتلوه بخشوع أمام الغير من غير زيادة أو نقصان ادعاء ليبرز صفاء ذاكرته وصدق تبعيته وامتثاليته المطلقة للشيخ أو الزعيم أو الاستاذ...
لثقافة النقل(بيداغوجيا النقل والشحن والملء...) وجه آخر- لم نحدث قطيعة معه كذلك- يجد تعبيراته فيما قاله الشاعر المصري: قم للمعلم...كاد المعلم أن يكون رسولا. ماذا نفهم اليوم ونحن نتحدث عن المهنية من هذا القول؟ علينا أن ندرك بأن مهنية المدرس تكلف اليوم ثمنا باهضا وتتطلب انتقاء دقيقا لولوج المهنة وتقويمات وتكوينات كثيرة؛ ولذلك لا مجال للحديث عن مهنة التدريس بمعجم أخلاقي-لاهوتي كقولهم أن مهنة التدريس هي مهنة الخييرين وفعل الخير...إلخ.
لا ينتظر من المدرسين اليوم فعل الخير أو الإحسان لقيامهم بتعليم غيرهم أو بلغة أدق لقيامهم بدورهم وواجبهم القائم على تعاقدات مؤسساتية: واجبات وحقوق. لا يجب أن ينظر إلى مهنتهم من هذا المنظور الأخلاقي-اللاهوتي لأن التعليم أضحى مؤسساتيا وارتبط بدولة المؤسسات وبرهاناتها الثقافية والسياسية والاقتصادية والتنموية... فكل تحول يصيب الاقتصاد مثلا يرمي بظلاله على التعليم، وبالتالي على ممارسة مهنة التعليم. فإذا كان الحديث يدور في الاقتصاد اليوم حول المردودية والنجاعة فإن المدرسة دخلت هذا العهد؛ وبالتالي ولج المدرسون عهد الفعالية البيداغوجية. ومن هذا المنظور وجب الانطلاق من تقييم الفعالية البيداغوجية للمدرس وليس من معجم أخلاقي-لاهوتي، أو الانطلاق من تصورات أخرى تستحضر الكلفة وهدر المال العام وانعدام الأهلية (كفايات المهنة) المهنية...إلخ. 
البعد المهني: نعتبر هذا البعد هو مدار هذا الدليل. فكم طرحنا في محاضراتنا ولقاءاتنا ومؤلفاتنا السؤال التالي: لماذا لا نقتنع بأن التعليم مهنة كباقي المهن؟ وتتناسل الأسئلة: لماذا نقبل بمهنية المحامي والطبيب ... ولا نقبل بمهنية المدرس؟ كيف نفاضل بين خياط تقليدي وآخر اجتماعيا(الكفاية الاجتماعية ، الاعتراف الاجتماعي) ولا نفاضل بين المدرسين لنقول كما نقول عن الأول بأنه أكثر مهنية(صنعة) من الثاني؟ وإذا كنا نحن معشر المدرسين لا نتقبل ذلك (أي أن نكون مهنيين في عملنا) فما الذي يميزنا عن الحداد والنجار والطبيب والمهندس...؟ بل وأكثر من هذا الأمر لماذا تطرد بعض النقابات أحد أعضائها بدعوى إخلاله بالمهنة؟ و هل التفكير في المهنية والهوية المهنية يزعزع المفهوم الكلاسيكي للطبقة...؟
إن دليلنا هذا يهم الطلبة والأساتذة والطالبات الأستاذات كما يتوجه للمدرسين والمدرسات، وللمكونين والمكونات، فضلا عن المفتشين والمفتشات ليساهم في تنمية مهنيتهم بالدرجة الأولى، وهو لا يدعي الإحاطة الشاملة ولا يريد أن يكون سوى علامة على قارعة الطريق تدل وتحيل وتشير ليتمم المارة وجهتهم - حسب سرعتهم وحسب نوع وسيلة النقل التي يركبونها- بأنفسهم؛ وبمعنى آخر فإن هذا الدليل لا يعوض أي عمل آخر، ولا يدعي ذلك، بل لا يدعي الإطلاقية لأنه ككتاب الطبيعة المفتوح القابل للقراءات والتأويلات والتجاوز والخطأ في التفسير والتحليل...؛ غير أنه يحتفظ لصاحبه بالحق في المساهمة والمحاورة والنقد لأننا نعيش اليوم على مستوى التعليم – هنا في المغرب وفي العالم - ما يستوجب أن نوضحه:
1- المساءلة 
كيف للمغرب الذي بنى إصلاحاته الحالية على الإشراك والتعاقد حول المدرسة المجسد في الميثاق الوطني للتربية والتكوين أن تنسحب بعض أطراف التعاقد من النقد والتتبع والاقتراح والاستشراف كأن الأمر لا يهم سوى الدولة وحدها، وحين يدور النقاش حول التعليم يختزل في نسب النجاح والترقيات ... دون أن يمس جوهر البنية التحتية للنظام التربوي وغاياته و مردوديته الداخلية والخارجية ...؟؟
ما يلاحظ أنه منذ التقرير الأول للجنة الخاصة 2004-2005 الذي اعتبارناه حينها بداية لتأسيس ثقافة تقويمية هو غيابها بالأساس. فما حصل أن التقرير مر في غياب النقاش من طرف شركاء الأصلاح. ثم تلته مساءلات من الخارج تتجسد في تقرير البنك الدولي والدراسات التقويمية، وتقرير المجلس الأعلى الذي مازال صداه لم ينقطع عن الأسماع بعد. ورغم توالي التقارير أو لنقل المساءلات الخارجية والداخلية مر كل شيء في صمت ينبئ بانسحاب جماعي من الاهتمام بالتعليم وقضاياه و وظائفه وآفاقه.
سيسجل المتتبع لمسار الاصلاح برودة تفاعل المعنيين وشركاء الإصلاح مع هذه التقارير والدراسات التقويمية وكأن النقد الخارجي أوالداخلي لا يعني أحدا، أي أن النقد لم يعد يحدث الرجة وردة الفعل ومأسسة النقاش أو عموميته رغم تعميم بعض التقارير. هل لنقول بأن مشاكل تعليمنا أكثر خطورة مما يتصوره الناس؟ هل لنعجز كل منتقد أو كل من يتجرأ على اقتراح تصورات إصلاحية؟ هل لنقنع الغير بترك التعليم لجهة معينة؟ ... فالحاصل أن الأمرصار منتهيا بنشر التقرير، أي تقرير كيفما كان. وصار النقاش وصارت المساءلة البرلمانية والسياسية والشعبية والأكاديمية مطبوعة بالبرودة والشرود والمناسبة كطرح سؤال غير ذي معنى في سياق خاص على المسؤول. وإن حدث نقاش، لأي تقرير، يكون بدعوة رسمية من الأعلى كما حدث لكثير من الملفات الكبرى: تقرير هيأة الانصاف والمصالحة، تقرير الخمسينية، تقرير المجلس الأعلى للتعليم...
ليست هذه هي الميزة الوحيدة التي ميزت شركاء الإصلاح وفعاليات النظام التربوي؛ بل هناك خاصية أخرى تتمثل في الكرنفالية أوالاحتفالية؛ فالفاعلون الرئيسيون، منذ سنة 2000، يقدمون ما يقدمون من مشاريع ومخططات باستعراضية واحتفالية وكرنفالية ككرنفال البرامج والمناهج وكرنفال ملتقيات جمعيات الآباء وكرنفال منتديات الإصلاح وكرنفال مناقشة تقرير المجلس الأعلى...إلخ. وإذا حاد الأمر عن الاستعراض والاحتفالية تقدم لنا حالة نظامنا التربوي كعليل في حاجة للترياق أو الدواء - دون إشراك الفاعلين والشركاء وتوريطهم في اجتراح علاج جماعي يعطي لروح التعاقد|الميثاق الوطني للتربية والتكوين معناه: تجديد التعاقد أو التعاقد المتجدد، لقضايا نظامهم التربوي- الذي يجب إحضاره على وجه السرعة سواء من طبيب أو كاهن أو ساحر. 
2- الخبير الساحر
من اللافت للانتباه أن كثيرا من الدول تلجأ في إصلاحها لأنظمتها التربوية أو في مجال تربوي معين لخبراء أجانب. 
وجب أن نميز هنا بين مستويات الخبرة؛ بحيث نجد الخبرة لدى مؤسسات كبرى كالبنك الدولي أو اليونسكو أوالإيسيسكو والأوسيدي مثلا، وخبرة المنظمات المدنية، والخبرة النابعة عن المعرفة العلمية والأكاديمية، وخبرة مكاتب الدراسات...إلخ.
إن ما نحن في حاجة إليه كبلد يستقطب الخبراء الدوليين- إن على سبيل الموضة أو على سبيل الاحتقار للكفايات الوطنية أو تنفيذا لتوجهات وتوجيهات- هو أن يكون الخبير المستقطب راكم موارد نادرة غنية و كثيرة كالمعارف والتجربة والكفايات وأخلاق المهنة ورأسمال من العلاقات ضمن شبكة علمية وسياسية-إدارية . فهل كل خبير نستقطبه تتوفر فيه هذه الصفات؟
يقول بيرنو بأن الخبير المؤهل والمجرب يفهم الوضعية المعقدة بسرعة كبيرة فيعمل على إعادة تشكيل جزء من تاريخها ووضع اليد على الرهانات وعلاقات القوى ومناطق الظل- وهو ما يخشاه أو يتمناه محاوره أو من وظفه- وتعرية ما نريد إخفاءه أو ما لا نريد قوله له وللناس؛ أي أنه يضع الميكانيزمات المحافظة الحقيقية أمام الأنظار. فإذا ما فكك شفرة الانتظارات المتناقضة سيكون قد نجح في مهمته؛ أي أنه عزز وقوى الذكاء الجماعي وتجاوز موضة التركيب وإعادة الصياغة ...ليجعل النظام التربوي أو بالأحرى المدرسة مدرسة معلمة .
إن خبيرا مثل هذا الخبير ليس له الحق في الخطأ لأنه يوجد في وضعية الطبيب الجراح القادر على التشخيص الصحيح أولا قبل أن يتخذ أي خطوة في العلاج كيفما كانت هذه الخطوة.
يختلف هذا الخبير عن كل خبير يمتلك وصفة سحرية صالحة لكل بلد بلد وفي كل الظروف. فمثل هذا الخبير ينقلب من طبيب إلى دجال، من عالم راكم المعرفة والتجربة الأكادميتين إلى ساحر. 
ليست للخبير الشرعي أهداف خاصة به لأنه يشتغل بأهداف من انتدبه ولهذا تأخذ الخبرة معنى المساعدة الخالصة. لكن علينا أن نحتاط من هذا الحياد لأن للخبير كباقي الناس قيم وإيديولوجيا ورهانات...إلخ. ولأنه كذلك يسعى ليقدم لمنتدبه أهدافا واضحة متناسقة: يطالب بتعاريف، بمعايير، بعتبات قابلة للقياس، بمعلومات، بملفات...إلخ، ولا يكشف عن أهدافه الخاصة. كما لا يمكنه أن يقوم بعمله إلا بالإحالة على أهداف من انتدبه.
ما يميز الخبير هو اتصافه بقلة الصبر؛ فهو يسارع للمشاركة بنشاط في العمل، وفي التحرير، والمراقبة: يسأل و يصوغ ويعمل على المصادقة على صياغة الأهداف. إن وقت الخبير يقاس بخطوات النمل، لكل شيء ثمن، ولكل شيء مخطط صنع هناك في مختبره.
إن ما يغفله الخبير- لأنه لا يتمتع بثقافة سوسيولوجية وسوسيو-ثقافية وأنتربولوجية وتاريخية- أن أهداف نظام معين كالتنظيم المقاولاتي أو التنظيم المدرسي هي بناءات اجتماعية.
يجب أن يعلم الخبير أن الهدف وسيلة يتبناها الفاعلون للدفاع عن قيمهم ومصالحهم. وفي وسط هذا الرهان يتحول الخبير بدوره إلى أداة. والحال لا وجود لخبير- إلا إذا كان كلبيا(سينيكيا)- يمكنه الاعتراف بسهولة بمشاركته في لعبة حيث الأوراق مكشوفة كلها فوق الطاولة، ولأنه ليس مغفلا فإنه يلعب ما يسميه بيرنو كوميديا عقلانية التنظيم.
على الخبير أن يسأل نفسه ونحن علينا أن نطرح عليه السؤال التالي كذلك: إلى أي جانب تنحازون يا معشر الخبراء؟
يبدو الجواب سهلا سياسيا بردهم علينا قائلين: "لا ننحاز لأي جانب، نحن علماء ننحاز للحقيقة والموضوعية والصرامة العلمية". لكن:
من يقرر في خبرة ما؟ من يدون الانتداب؟
من يختار الخبراء؟ ومن يقدم إليهم المعلومات؟
من يؤدي لهم واجبهم المادي؟ ومن يتكفل بمصاريفهم؟
من يراقبهم وهم في الميدان؟ ومن يشرف على الخبراء في النظام؟
من يتلقى التقارير؟ ومن ينشرها؟...إلخ.
سيكون الجواب هو نفسه إنه المسؤول عن كذا وكذا هو من يقوم بذلك؛ غير أن بعضهم سيجيب بكل بساطة بأنه يعمل لدى منتدبه.
سيكون من الصعب أن يكون الخبير منصفا في خدمته لجميع الفاعلين في التنظيم، وخاصة إذا كان قريبا من رأس الهرم، لأنه سينجر مع استراتيجية المسيرين أو المسؤولين. 
لا يمكن لأي خبير أن ينخرط في العمل انخراطا كليا حتى ولو كان في وضعية خارجية إذا لم ينخرط في التوجهات الإيديولوجية للاصلاح لأن الخبرة- كما يقول أستولفي- محدودة بالبعد التقني والإجرائي. لا وجود لخبير يقول لنا ما إذا كان من المستحب حذف دينامية الجماعات مثلا أو من المستحب التدريس بنمط ديمقراطي أو سلطوي أو تدريس قيم معينة لأنه ببساطة لا وجود للخبرة في مجال القيم والمقاييس الاجتماعية التي يطلبها نظام تربوي معين أو يطالب بها مجتمع معين . 
هناك من الخبراء في التربية والتعليم من يرفض الكفايات العرضانية بدعوى أنها غير قابلة للقياس ولأنها ليست تعلمات دقيقة أو أساسية. والحال أن كثيرا من الأقطاب الملتزمين بقضايا التربية عالميا يبينون أهمية الكفايات العرضانية وقالبليتها للتقويم التربوي ... وأهميتها في عالم دائم التحول، وبلغة أخرى تبدو أهميتها في انفتاح المدرسة على المحيط. غير أن ما يهم الخبير هو كل ما يقبل القياس: إنه البعد التقنوي الخالص المتمثل في لغة الحساب والإحصاء، وبلغة أخرى إنه يتحدث عن أدوات جيدة للقياس وشبكات للملاحظة والتمييز أو الترقيم ... كصاحب معمل. 
لكي يستمر الخبير كصديق منتقد عليه أن يكون مسموعا، أي محترما ومقدرا وليس صاحب مصداقية علمية فقط. إنه الاضطلاع بمهمة الاستماع لما لا نرغب في سماعه؛ ولهذا ينبغي أن تكون مهمة الخبير واضحة وشفافة بالنسبة للأطر والمكونين والباحثين والمدرسين والآباء وربما التلاميذ كذلك: إنه الإشراف المتفاوض عليه.
إن التفاوض حول إصلاح ما، كما يقول فليب بيرنو، أو أي مشروع آخر للتجديد عليه أن يرافق السيرورة كلها، حيث القرارات تمس التعديلات لا المشروع الأولي أو الأساسي، وهو في حالة المغرب الميثاق والوطني للتربية والتكوين والكتاب الأبيض. كما لا ينبغي النظر إلى التعديل الذي يقوم به الخبير على أنه مسألة تقنية خالصة؛ إذ أن كل تدخل يعتبر تقنيا قد يمس التوافقات السياسية (التعاقد حول الميثاق الوطني للتربية والتكوين).
3- التكوين المرجأ 
لنترك الحديث عن الخبراء أصحاب المأكولات الجاهزة والبناءات المفككة والوصفات السحرية والعقاقير المسمومة. ولنتساءل هل يمكن تكوين مدرس لتدريس معرفة مدرسية بالحصر قد يسميها البعض أساسية كحال الخبراء الرافضين للكفايات العرضانية ؟ هل يمكن تكوين مدرس محايد لمدرسة محايدة، حيث سيدرس معرفة أو تعلمات مدرسية محايدة قابلة للتقويم العلمي المحايد: وهم الموضوعية... كما يدعي هؤلاء الخبراء ؟ ... وقائمة الأسئلة في هذا الباب لا تنتهي لأنه ببساطة يجهل الخبراء إبستمولوجيا العلوم وفلسفات العلوم "الحقة" والإنسانية. وههنا مكمن جهلهم.
لا يمكن أن نكون مدرسين دون القيام باختيارات إيديولوجية حتى ولو ادعينا النزعة العلموية والموضوعية المطلقة: هناك دائما إديولوجيا، إيديولوجيا تلقائية كالفلسفة التلقائية للعلماء. فحسب المجتمع والكائن الإنساني الذي ندافع عنه لا يمكننا ادعاء نفس غايات المدرسة بالنسبة للجميع؛ ولهذا لا يمكننا أن نحدد بنفس الشكل دور المدرسين والمعرفة المدرسية، وبالتالي هل ننمي كفايات عرضانية تتطلبها الحياة الاجتماعية بكثافتها أم نقتصر في التعلم على التصورات التي تحصر التعلم فيما يقدمه المدرس من معارف مدرسية محددة سلفا.
بإمكاننا تكوين كيميائيين ومحاسبين وإعلاميين حسب ما ترغب فيه المقاولات، وبإمكاننا القول بكلبية بأن الكيميائي الجيد هو الكيميائي الجيد، هو من يستطيع صناعة الأدوية أو المخذرات. والمحاسب الجيد هو من يبيض الأموال المتسخة أو ينمي موارد التنظيم الإنساني، والإعلامي الجيد هو من يخدم المافيا أو العدالة بنجاعة. ونفس الشيء فيما يخص المدرسين: هل نرغب في مدرسة تنمي الاستقلالية أو الامتثالية، الانفتاح على العالم أو النزعة القومية، التسامح أو الحقد على ثقافة الآخرين، لذة الأخطار الفكرية أو البحث عن اليقينيات، روح البحث أو الدوغمائية، معنى التعاون أو معنى التنافس، التضامن أو الفردانية...؟، وبالتالي هل يتعلق الأمر بمدرسين نخبويين أم بمدرسين طيعين...؟
ترتبط جودة التكوين بجودة تصوره؛ ولذلك ورغم شيوع الحديث اليوم عن المهنية في العالم فإن جميع الدول ليست مستعدة لتكوين مدرسين متأملين ونقديين، مثقفين وصناعا، مهنيين وإنسانيين. 
إن ما يحدث في الميدان يعود للصراع السياسي والوسائل الاقتصادية المتوفرة. وحتى ولو كنا في الطريق نحو مجتمع كوني مهيمن عليه من قبل بعض القوى ستظل غايات التربية مسألة وطنية. بإمكان الأفكار أن تنتقل عبر الحدود لكن يجب أن تتحدد غايات التربية هنا في فضاءاتنا العمومية رغم ما تطرحه مشكلة ديمقراطية المشاركة من مشاكل حتى لا تظل التربية تعيد إنتاج التفاوتات وامتثالية الجماهير أمام الفكر المهيمن.
لا بد أن نعي بأننا نوجد أمام تناقضات تهيكل مستقبلنا من قبيل ما يلي:
المواطنة الكونية والهوية المحلية؛
العولمة الاقتصادية و الانغلاق السياسي؛
الحرية واللامساواة؛
التكنولوجيا والنزعة الإنسانية؛
العقلانية و التعصب؛
النزعة الفردانية وثقافة الحشود؛
الديمقراطية و التوتاليتارية.
إن هذه التناقضات تفرض تصورا جديدا لتكوين المدرسين حتى ننمي مواطنة متكيفة مع العالم المعاصر. ومن أجل ذلك يقترح علينا فليب بيرنو مدرسا ذي الوظائف التالية :
شخص ذو مصداقية؛
وسيط بينثقافي ؛
منشط لمجموعة تربوية؛
ضامن للقانون؛
منظم حياة ديمقراطية؛
معد ثقافي؛
مثقف.
ومن جهة المعارف والكفايات التي يجب أن يتوفر عليها يقترح علينا فليب بيرنو الكفايات التالية:
منظم لبيداغوجية بنائية؛
ضامن لمعنى المعارف؛
مبدع لوضعية تعلمية؛
مدبر للتنوع؛
معدل للسيرورات ومسارات التكوين .
يستحيل إذن تكوين مدرسين بتصور تقني خالص لأنه ببساطة لا وجود لهذا التصور، وبالتالي فإن المدرسين في حاجة، في ظل مجتمع يتحول، إلى القدرة على التجديد والتفاوض وممارسة التأمل وتعديل الممارسة. ولن يتم ذلك إلا بتأمل التجربة وتكوين معرفة جديدة والورطة النقدية لأن المجتمع في حاجة إلى مدرسين منخرطين في النقاش السياسي حول التربية على مستوى المؤسسات والجماعات المحلية والمناطق والوطن كله، وليس على مستوى الرهانات النقابوية وحدها. يجب، إذن، توريط المدرسين في مناقشة الغايات والبرامج والمناهج وبرامج المؤسسات المدرسية ودمقرطتها ودمقرطة ثقافتها وتدبير النظام التربوي...إلخ.
قلنا إن تكوين المدرسين يرتبط بالرؤية للمدرسة التي تستهدف دمقرطة الولوج للمعارف وتنمية استقلالية الذوات ونقديتها وكفاياتها وقدرتها على الدفاع عن الرأي. ولن يتم ذلك إلا بالمرور بالاعتراف بالاستقلالية والمسؤوليات المهنية للمدرسين فرديا وجماعيا.
وفيما يلي بعض المعايير المقترحة من قبل بيرنو لتكوين المدرسين من مستوى عال:
النقل الديداكتيكي المؤسس على تحليل الممارسات وتحولاتها؛
مرجع للكفايات يحدد المعارف والقدرات المكتسبة قبليا؛
مخطط للتكوين منظم حول الكفايات؛
التعلم بالمشاكل: الطريقة الإكلينيكية؛
تمفصل حقيقي بين النظري والتطبيقي؛
تنظيم مجزوءاتي فارقي؛
تقويم تكويني مؤسس على تحليل العمل؛
أوقات وعدة للإدماج وتعبئة المكتسبات؛
شراكة متفاوض بشأنها مع المهنيين؛
تقطيع للمعارف يسمح بتعبئتها في العمل .
4- أي تكوين لمدرس الغد...؟
لربما أن هذه المعايير تنطلق من رؤية مسبقة تتجلى في وضع المدرسة كما هي الآن: مدرسة عبارة عن بنايات بحجرات وطاولات وكراسي...إلخ والتلاميذ يتنقلون من مقر سكناهم إلى المدرسة والمدرس كذلك. تجمعهم الحجرة ويتفاعلون بشكل ما. وفي الأخير يكون هناك تقويم من طرف المدرس أو تقويم إشهادي. غير أن السؤال المطروح بإلحاح هل ستصمد هذه المدرسة بعد 2030 أو 2050 مثلا كما تساءل عن ذلك بيرنو؟
من غير المستبعد أن تختفي المدرسة التي ألفناها لصالح أنماط جديدة كالمدرسة الافتراضية فنبدأ في الحديث عن مهنة التعليم كما نتحدث عن مهن مضت أو مهن من الماضي. والسؤال هو: أي تكوين للمدرسين- إن استمرت وظيفة التدريس- في العصر الافتراضي، وأي تكوين ينبغي أن نتهيأ له إذا ما استمرت تكنولوجيا الإعلام والاتصال في تغيير بنيات التربية والتكوين في شموليتها يوما عن يوم، فيدخل التدريس والمدرسة والتلمذة العصر التقتي بامتياز؟.
موقع الأستاذ

موقع تربوي مستقل يهتم بجديد التربية والتعليم بالمغرب

للتواصل معنا يرجي زيارة صفحة تواصل معنا: موقع الأستاذ

نحو تفكير مغاير في المدرس(ة) Reviewed by موقع الأستاذ on 6:56 م Rating: 5 نحو تفكير مغاير في المدرس(ة) الحسن اللحية مقتطف من دليل المدرس(ة) تمهيد: لماذا هذا الدلي...

ليست هناك تعليقات:

جميع الردود تعبّر عن رأي كاتبيها فقط.