إصلاح التعليم، من الفاعل ؟ - موقع الأستاذ

728x90 AdSpace

آخر المستجدات
السبت، 27 يونيو، 2015

إصلاح التعليم، من الفاعل ؟

إصلاح التعليم، من الفاعل ؟
إصلاح التعليم، من الفاعل ؟
الحسن اللحية
ردد السيد محمد الوفا وزير التربية الوطنية في مرات عديدة أن زمن الميثاق قد انتهى أو ما يفيد ذلك ، و أن زمن البرنامج الاستعجالي انتهى هو الآخر نهاية فعلية و لم يتبق منه غير إتمام ما زال عالقا أو متأخرا من حيث الانجاز ، معلنا عن بداية قتل البرنامج الاستعجالي بانطلاق عملية الافتحاص التي انطلقت في أبريل 2012 . وكان قد وعد الجميع بأنه سينشر نتائج الافتحاص بعيد نهاية سنة 2012. 
لكن حاصل الأمر كان عكس ذلك؛ إذ لم يعلن السيد الوزير عن النتائج والتدابير التي يتخذها بناء عليها، بل إن بعض النتائج تسربت إلى النقابات و البرلمان و وسائل الإعلام ، ولم يقيم تجربة الافتحاص ذاتها ، مكتفيا بشكر الأطر التي قامت به ، ملمحا إلى بعض النتائج حيثما سمحت له الظروف بالحديث عن نتائج التقويم و الافتحاص، ليجد الرأي العام نفسه ، فيما بعد، أمام وثيقة صادرة عن الوزارة تحت عنوان برنامج العمل المتوسط المدى 2013-2016، مكررة تجربة البرنامج الاستعجالي الذي فرض نفسه على الجميع دون استشارة شركاء المدرسة والفاعلين السياسيين والنقابيين. فما معنى النهاية هنا؟ و ما معنى إصدار برنامج دون استشارات و إشراكات؟ و هل هذا البرنامج يقطع مع الميثاق و البرنامج الاستعجالي أم انه يكرر التصور التقني المعتاد في الوزارة منذ 2002؟ هل تبدلت منهجية إعداد برنامج العمل المتوسط المدى أم استنسخت تجربة البرنامج الاستعجالي؟ هل قطع مضمون هذا البرنامج مع البرنامج الاستعجالي أم أن محاوره هي هي ؟ فما الذي يميز هذا البرنامج عن سابقيه منذ 2002 إلى اليوم؟ ماذا يعني كل هذا إذن؟ يجب بكل وضوح استعادة الإصلاح و الحوار حتى لا يظل إصلاح المكاتب ، و الطريقة إلى ذلك تبدأ باستعادة البداية و البدايات المنفلتة منذ سنة 1994.
نسجل هنا أن المغرب أنجز الميثاق الوطني للتربية والتكوين الذي اعتبر في حينه إطار تعاقديا بين الجميع لتأسيس مدرسة الجميع؛ غير أن علاقة المغاربة بالميثاق الوطني للتربية والتكوين لم تكن علاقة تراكم البناء والتعاقدات و تجديدها. 
و ما يلاحظه المتتبع الباحث أن الفاعلين السياسيين و النقابيين و الدولة لم يحترموا جميعا الميثاق الوطني للتربية و التكوين ، بل لم يراكموا ثقافة الحوار و النقاش حول أسس المدرسة و غايتها ومواصلة ذلك الحوار في ضوء ما يستجد محليا و عالميا.
نتذكر هنا أن إرادة التخلص من الميثاق بدت واضحة منذ 2008 . و نتذكر كذلك أنه خلال هذه الفترة كان يتشكل المجلس الأعلى للتعليم الذي أصدر تقريره الأول في نفس السنة المذكورة أعلاه. وفي نفس الفترة صدر المخطط الاستعجالي بعد تشكيل المجلس الأعلى. 
إن السؤال المطروح هنا على الدولة/ الحكومات المتعاقبة منذ 1998 إلى اليوم، هو لماذا تم المرور من ثقافة الميثاق الوطني للتربية و التكوين، حيث النقاش و الحوار الجماعي حول أسس المدرسة وغاياتها ليصل الجميع إلى ثقافة التقارير مع المجلس الأعلى و وضع برنامج استعجالي اعتبره الجميع أحاديا؟ ألم يكن من الأجدى طرح الميثاق الوطني لنقاش تقويمي عمومي ، علما بأن الميثاق الوطني يحدد تواريخ و إجراءات و يضع تصورات و برامج عمل و يحدد الجهات و المسؤوليات والشركاء و نسب التمويل و المحاسبات ...إلخ؟ فلماذا أغفل هذا الجانب التقويمي؟ و لماذا صمت الجميع ليمر الجميع بدون مساءلة ولا تقويم إلى مرحلة ما بعد الميثاق الوطني للتربية و التكوين ؟ و لماذا استسيغ هذا الأمر من طرف الأحزاب السياسية و النقابات و الجمعيات المهنية؟
لقد كانت أجوبة الوزارة الوصية غير مباشرة من خلال إشاعة ثقافة التقويم التي اشتغل عليها المغرب وطنيا او انخرط فيها دوليا. و نتذكر هنا أن المجلس الأعلى اشتغل على تقويم مواد متعددة على غرار تقويمات بيرلس و شيمس ، وهو بذلك يريد أن يوجه التعليم نحو رؤية أخرى غير الرؤية التي تحدث عنها الميثاق الوطني للتربية والتكوين. والسؤال هو لماذا انساق الجميع مع هذه الاستراتيجية دون وعي بالآتي؟
إن تقويمات المجلس الأعلى هي استرجاع للتقويم الذي أصدرته اللجنة الخاصة بالتعليم خلال سنة 2004/2005 ، ومعنى هذا الأمر إن إرادة القطع مع الميثاق الوطني للتربية و التكوين كانت حاضرة منذ مدة طويلة قبل تشكيل المجلس الأعلى للتعليم. و السؤال هو: كيف لم يفطن الفاعلون السياسيون و النقابيون إلى ذلك؟
و خلاصة الأمر أن الوزارة هي أول من كانت لها استراتيجية القطع مع ثقافة الميثاق، أي القطع مع ثقافة الحوار و النقاش و المسؤولية الجماعية، أو لنقل القطع مع ثقافة المشاركة في وضع استراتيجية للتعليم متعاقد عليها ومتفاوض بشأنها و لعل المنهجية التي جاء بها المخطط الاستعجالي تفسر ذلك من نواحي كثيرة ، منها أنه حضر في غياب الفاعلين عامة ، و وتم تصريفه بعقلية بيروقراطية صرفة.
و أما من جهة الأحزاب السياسية و النقابات و المجتمع المدني سنلاحظ بأن الميثاق الوطني للتربية و التكوين قد خلص الأحزاب و النقابات من الاهتمام بالتعليم و التنازع حوله، و يبدو هذا الأمر إيجابيا لأن الجميع اقتنع بأن المدرسة يجب أن تكون مدرسة للجميع، لكنه في نفس الوقت ترك المجال فارغا لتصير الدولة هي الفاعل الرئيسي في التعليم وأن اقتراحاتها هي الاقتراحات وتصوراتها هي التصورات. و السؤال هو: لماذا صمت الجميع لحظة الإعلان عن المخطط الاستعجالي؟ وما ثمن هذا الصمت اليوم؟ و كم سيكلفنا ذلك الصمت؟
إن التخلص من المدرسة الوطنية العمومية باسم الميثاق يعني أن الاهتمام بالتعليم لم يعد اهتماما بأسس وماهية المدرسة الوطنية العمومية، بل إن التعليم في برامج الأحزاب السياسية صار ثانويا ، و صار عند النقابات مطالب خبزية أو مطالب بسيطة تهم اليومي. 
لقد كان من الواجب ألا يمر المغرب من الميثاق إلى ما بعده دون نقاش مؤسساتي و شعبي لأن ما بعد الميثاق يجب أن يخضع للمساءلة العمومية و إليكم بعض ما كان ينبغي أن يهتم به السياسي و النقابي و المجتمع المدني:

لنأخذ مثالا عن (بيداغوجيا) الإدماج. نعلم جميعا أن الإشارة إلى تقويم التعلمات وردت في تقرير المجلس الأعلى للتعليم الصادر سنة 2008 ، و لا نجد أي إشارة إلى ذلك في المخطط الاستعجالي، بل لا نجد أي إشارة إلى تبني أي بيداغوجيا ماعدا الاجتهاد الوارد في الكتاب الأبيض و تصور الميثاق الوطني للتربية و التكوين للكفايات. 
إذن، نحن أمام صورة واضحة تتجسد في غياب أي اختيار بيداغوجي أو ما سمي في حينه بمشكل النموذج في الميثاق أو الكتاب الأبيض أو المخطط الاستعجالي. فلماذا ألصقت بيداغوجيا الإدماج بالمخطط الاستعجالي وكأنها منه، و كيف تم ذلك؟ و أين الفاعل السياسي والنقابي من الأمر البيداغوجي؟ و هل يبدو من الواجب العقلي والسياسي أن يختار للمغرب نموذج بيداغوجي من طرف مسؤول وزاري بدون نقاش سياسي؟ فلماذا صمتت الأحزاب و النقابات عن ذلك؟
إن حالة التخلص من التعليم لدى السياسيين و النقابيين بدت ظاهرة منذ عهد الميثاق ، حيث كان الجميع يتحدث عن الميثاق و أجراته و تنزيله ، ثم انتقل الجميع ليتحدث عن البرنامج الاستعجالي بين عشية و ضحاها دون توقف و لامساءلة و نقاش حول مصير المدرسة، وهو ما يتجسد اليوم فعليا من خلال غياب النقاش حول تقويم وافتحاص البرنامج الاستعجالي ككل.
لنذكر أن المدرسة هي مدرسة الجميع و أن استعجالية العودة لمواصلة النقاش حول الميثاق الوطني للتربية و التكوين أمر راهني وملحاح لأنه لايمكن أن نتحدث عن اختيارات بيداغوجية دون وضع أسس لتعليمنا و تحديد غايات له في ضوء ما يستجد وطنيا و عالميا؛ ولذلك على الدولة تحديدا أن تفكر في بالاستراتيجيات البعيدة المدى، و على الأحزاب السياسية والنقابات أن تتخلص من ثقافة رجع الصدى والببغاوية و أن تبادر إلى جعل التعليم ورشا فكريا مفتوحا لإيجاد مرجعية لبناء مستقبل الجميع في دولة الجميع و وطن الجميع.
إن ملحاحية تعاقد جديد حول ميثاق جديد تبدو ضرورة تاريخية من جهة المحاسبة و إشاعة ثقافة التقويم المؤسساتي ، ومن جهة المعطيات السياسية التي يعيشها المغرب بعد دستوره الجديد الذي يتحدث عن الهوية المتعددة للمغرب، و اللغات الوطنية المتعددة ، و الافق الجهوي للمغرب، و الاعتراف بسمو القوانين الدولية على الوطنية ...إلخ.
إن تجديد التفاوض و الحوار والنقاش حول ميثاق تربوي جديد يجب أن ينطلق مما تراكم لدينا منذ الميثاق الوطني للتربية والتكوين، حيث سيتضمن منطلقات كثيرة كالتفكير بالمواطنة و الإنساني و الكونية و العصر الافتراضي، و استحضار التعدد الجهوي و الثقافي و الديني و اللغوي و الهوياتي و استبعاد المذهبية و العرقية وكل ما له صلة بهذا الجانب. و أن يجعل المدرسة تعيش التعدد الغني للمغرب بامتياز، متستحضرة إياه في إيقاعاتها الزمنية و لغات تدريسها و مناهجها و برامجها الدراسية وعددها الديداكتيكية و براديغماتها البيداغوجية.
موقع الأستاذ

موقع تربوي مستقل يهتم بجديد التربية والتعليم بالمغرب

للتواصل معنا يرجي زيارة صفحة تواصل معنا: موقع الأستاذ

إصلاح التعليم، من الفاعل ؟ Reviewed by موقع الأستاذ on 5:04 ص Rating: 5 إصلاح التعليم، من الفاعل ؟ الحسن اللحية ردد السيد محمد الوفا وزير التربية الوطنية في مرات عد...

ليست هناك تعليقات:

جميع الردود تعبّر عن رأي كاتبيها فقط.