التعليم و خطاب المهنية - موقع الأستاذ

728x90 AdSpace

آخر المستجدات
الجمعة، 26 يونيو، 2015

التعليم و خطاب المهنية

التعليم و خطاب المهنية
التعليم و خطاب المهنية
الحسن اللحية
يروم خطاب المهنية تغيير المهام والأدوار الجديدة التي ينبغي أن يقوم بها المدرس(ة) بالنظر للتحولات الكثيرة؛ غير أن ذلك لا يعني أن مهنة التدريس تقوم على وصفات جاهزة ينبغي تنفيذها، وهي ليست حرفة تتوارث أبا عن جد أو من صانع إلى صانع أساسها توارت سر مهني وتقنيات وأدبيات في وسط اجتماعي منغلق. يرى السوسيولوجي الفرنسي فليب زرفيان بأن هذا النموذج الحرفي تمتد جذوره في التاريخ؛ إذ بدأ مع تعاونيات الصناعة التقليدية في المدن. وكان يمارس في وسط اجتماعي حرفي؛ إما أننا من أهل الحرفة أو لسنا منهم. وكان يمارس بتعلم يتوارث التجارب والخبرات وفي تراتبية للعلاقات، حيث نجد المبتدئ والصانع الماهر الذي يمتلك معرفة مهنية لا تحيل فقط على قواعد المهنة، بل على الجودة و الأصالة. ثم إن العلاقة بالسوق كانت علاقة مباشرة.
لقد تعرض هذا النموذج للهجومات منذ نهاية القرن XVIII من طرف الثوريين الذين رأوا فيه شكلا لا ديمقراطيا يعود إلى العهود القديمة، معيقا للمواطنة ووحدة الأمة. ثم رأى فيه المقاولون المصنعون الجدد، الطبقة الرأسمالية الجديدة، حاجزا يعيق التحول وعقلنة طرق العمل كمراقبة الساكنة العمالية منذ أن بدأت تتجمع في المصنع.
لقد تنبأ كارل ماركس بنباهة كبيرة إلى النزعة الآلية من حيث أنها آلة حرب ضد النموذج الحرفي. وقد دامت هذه الحرب قرنين من الزمن لينتصر نموذج منصب الشغل مع التايلورية في الأخير، ومع ذلك ظلت الحرفة تقاوم الشغل حينما يقال avoir un métier أو avoir un emploi أو tenir un poste ، فصرنا نتحدث عن مهنة الإعلامي و المهندس.
ففي مثل هذه الحالات ستبقى الحرفة هي التي تحدد قاعدة الانتماءات الاجتماعية والمهنية والاعترافات المهنية، بينما يعمل نموذج الشغل أو منصب الشغل على تحديد أشكال أخرى من الاعترافات والانتماءات المهنية، علما أنه كان في السابق مع كارل ماركس يعتمد الانتماء الطبقي كانتماء يحدد الهوية ،أي الهوية الاجتماعية. وأما مع النموذج الكفاياتي فإن التصنيف يرتبط بالمكتسبات والقدرات والمهارات والكفايات ، وبالإجمال يرتبط بمرجع الكفايات.
لقد كان العمل في القرن الثامن عشر يعني الذكاء العملي (بما فيه الذكاء الحركي) للصانع أو الفلاح. ولم يكن من المقبول ولا من اللائق والمستساغ التمييز بين الفرد العامل والعمل. ولكن حصل شيء ما حين دخل عنصر العمل ليصبح التمييز بين الفرد والعمل، هذا العمل الذي يمكن موضعته وتحليله و عقلنته ووصفه وتغييره في استقلال عن العامل، عن الفرد ، عن الفلاح والصانع الذي ينجزه، ولم يعد العامل شيئا آخر سوى موضوعا مشيئا يحمل قدرات (وظيفية) ضرورية لانجاز ذلك العمل.
سيكون التأهيل طريقة لتأهيل العلاقة بين العمل وقدرات العامل وطريقة وتصنيف ذلك وفق درجات التعقيد لتتأتى الوظيفة وإمكانية المراقبة والتقويم بدقة ؛ وبتعبير كلاسيكي فإن الفرد في الفترة الصناعية لم يكن يمتلك نشاطه الاقتصادي الذي يظهر كشكل خارجي وبراني. لقد كان الصراع منذ القرنXIX صراعا مريرا بين أهل الحرف وحركيات العقلنة ونزع تملك العمل التي يمثلها المهندسون قبل ظهور التايلورية لنصل إلى مرحلتنا هذه التي أصبح العمل فيها يعني الكفاية المتوفر عليها التي يستطيع العامل تنفيذها وتعبئتها.
وعلى وجه الإجمال فإن إعادة تملك العمل من طرف من يمارسه، في أزمنة الكفاية، ليس سوى التكرار البسيط للماضي، علما أن الشروط الاجتماعية وشروط الإنتاج قد تغيرت بشكل راديكالي. وهناك حسب زارفيان ثلاث سمات تميز الحداثة الحالية هي:
أولا: ظهور الفردانية التي يتكثف معناها في الذات كصاحبة أفعالها والمتحكمة في حياتها. ثم إن أشكال التنشئة الاجتماعية تعمل على ظهورها وفردنتها، وتنمي الوعي الذاتي لكل فرد داخل الحياة الاجتماعية. وإن هذا الفرد المتفرد بنشاطه هو العامل.
ثانيا: مستوى الارتباط وفضاؤه ويعني أن العمل الجماعي المتسلسل الميكانيكي بدأ في التراجع شيئا فشيئا ليظهر في تبادل الحوار ووجهات النظر والتواصل وتبادل المعلومات.لا وجود فيه للاتفاقات الظاهرة أو الخفية، هناك شبكة من التفاعلات متعددة ومعقدة وتعددية في التعاقدات.
ثالثا: سيادة اللايقين في السوق ووجود المصادفات الاقتصادية.
إن تحول العمل جعله تعبيرا مباشرا عن قوة فكر وفعل الفرد ومعرفته وذكائه العملي والتزامه، وحيث لا يعين كأجير إلا في إطار مراقب لإظهار كفاياته مع تحريك وتشغيل موارد خاصة وتنظيمية. إنه تجريد للذوات ( التلاميذ و الطلاب و الأجراء) وفق تجاربهم مع فردنة واضحة صاحبتها تكنولوجيا الإعلام والاتصال لتزيد منها ، بل إن العمل المهني الاحترافي ينظر إليه من المنظور الشخصي والخاص مباشرة ليصبح الفرد في النهاية ذاتا وفاعلا في الآن نفسه.
إن المسألة المطروحة في نموذج الكفايات هي ما العمل حينما لا يقال لي ما يجب القيام به؟ ذلك هو نموذج الاستقلالية المرغوب فيه المتسم بالمبادرة التي تعني البدء في شيء جديد في هذا العالم. والمبادرة لها علاقة بفعل agir المشتق من اللاتينية agere الذي يعني إدخال الحركة في الشيء أو إلى الشيء أو إطلاق سيرورة معينة. ثم إن مفهوم الاستقلالية أحدث داخل المقاولة تحديدا جديدا لعلاقات السلطة وقواعد العمل، غير أن مفهوم المبادرة ظل يعني الكفاية وهي في الفعل ذاته والتزام الذات ليس في علاقتها بالقواعد بل بآثار الأفق. وبذلك فإن الكفاية هي المبادرة موجهة بالاستقلالية.
تصاحب المبادرة أحكام أو لنقل لا وجود لمبادرة بدون أحكام. فالشخص الكافي لا يأخذ أية مبادرة كيفما كانت. وأول مبادرة ينبغي أن يقوم بها المبادر هي المبادرة نفسها، ولكن أي مبادرة؟
هناك نوعان من الانتماءات تعرف أزمة هما الانتماء الطبقي (الانتماء للطبقة العاملة) والانتماء الحرفي (بالمعنى القديم للفظ) . وإن ما هو في حيز الظهور الآن هو الانتماء للمقاولة. وبذلك فإن تعريف الكفاية سيكون هو" أخذ المبادرة والمسؤولية من طرف الفرد في الوضعيات المهنية التي سيواجهها". فالكفاية بهذا المعنى ذكاء عملي فردي وقدرة على تشغيل شبكات الفاعلين حول نفس الوضعيات وتقاسم الرهان والاضطلاع بمسؤوليات.
لا يمكن أن تعرف الكفاية من خلال وضعية واحدة، وخاصة الكفاية المهنية. فالوضعية هي إطار وسياق ، وهي مكونات لوضعية تظهر كمرتكزات وموارد [ في ورش مثلا نجد آلات ومواد وإجراءات...] ، وهي مشكل ومجموعة مشاكل على الفرد أن يواجهها، وهي النتيجة المنتظرة ، وهي كذلك المبادرة والتفاعل مع فاعلين آخرين يشترط النجاح أو الفشل بوجودهم. وأخيرا هي نمط أو إجراء تقويمي. 
فالمدرسة بالقدر الذي تعترف بالحرفية تنفتح على المجتمع والعالم ؛ ولذلك فإن مجتمع المدرسين والمدرسات رغم نشاطه في مجتمع مدرسي قائم الحدود فإنه المجتمع الأكثر انفتاحا على المحيط لأن مهام المدرسة الأساسية تنبع من حاجات المجتمع للتربية والتعليم والتكوين. ولعل هذا السبب وحده يضعنا أمام مفهوم جديد للمدرسة هو المدرسة الشاملة أو بتعبير دقيق فإن حرفية المدرس(ة) هي جعل المدرسة مدرسة شاملة.
على المدرس أن يدرك بأن المدرسة توجد اليوم تحت رحمة رهانات كثيرة كأي تنظيم آخر؛ منها الرهانات الاقتصادية التي لا تتوانى في مطالبة المدرسة بتقديم تعليم نافع وبراجماتي، وهي رهانات لا تخفي خلفياتها النظرية والعملية التي تريد أن تجعل من المدرسة صدى للمقاولة على مستوى التسيير والتدبير وبناء الكفايات ولتكون تنظيما معلما organisation apprenante على غرار المقاولة. 
هناك من، جانب ثان، رهانات سياسية تتمثل في الدعوة إلى تعميم التعليم الأولي والابتدائي والإعدادي والانخراط في تحرير التعليم بدء من التعليم الثانوي، علما بأن هذا التوجه العولمي يهم هيكلة الأسلاك الدراسية والتدريس بالمجزوءات وتمهين التعليم وتعددية المسالك المهنية، وإعادة النظر في الشواهد المدرسية والإشهاد...إلخ. 
كما تتزايد الرهانات، من جانب ثالث، باستحضارنا لرهانات المجتمعات المدنية التي تطالب بتعميم ثقافة حقوق الإنسان والإنصاف والعدالة في الفضاء المدرسي وفي المحتويات المدرسية والتقويم...إلخ. 
وأخيرا نجد الرهانات البيداغوجية التي أضحت اليوم أمرا واقعا منذ أن تبنت المدرسة الخطاب الكفاياتي: المقاربة بالكفايات، وما تطرحه من مشاكل نظرية وعملية للمدرس، ومن خلفيات متنوعة تعود بالأساس للمقاربات الكفاياتية ذاتها. 
وما سيلاحظه المهتم بخصوص هذا الجانب أن الخطاب المدرسي أضحى ممزقا، اليوم، بين رؤى كفاياتية غير تربوية وبيداغوجية ورؤى تريد أن تستعيد الوظيفة البيداغوجية للخطاب المدرسي دون رفض للخطاب الكفاياتي إما بتكييفه أو إعادة تأصيله أو تطويره. وإذا ما أضفنا إلى هذه الرهانات كلها رهانات أخرى لصيقة بالتكنولوجيات الجديدة التي بدأت في غزو الفضاء المدرسي سنستخلص عددا كبيرا من التداعيات التي ستؤثر إن لم نقل ستغير الأدوار التقليدية للمدرسة والمدرس والمتعلم إن على مستوى العلاقات أو على مستوى طرق التعليم أو العلاقات كعلاقة المدرس بالمتمدرس أو علاقة المؤسسات المدرسية فيما بينها، أو على مستوى محتويات التدريس والتقويم والدعامات الديداكتيكية التي سيعتمدها المدرس في عمله اليومي...إلخ.
والحاصل أن الرهانات متعددة كالرهان القائل بجعل المدرسة في قلب الحياة الجماعية، أو جعل المدرسة متكيفة مع محيطها ووسطها، أو العمل على انفتاح المدرسة على شركائها. فكل هذه الخطابات الجديدة تجعل من المدرسة مدار رهانات لا يمكن تفكيك خلفياتها إلا بالتساؤل عن أي مدرسة نتحدث أو أي مدرسة نريد؟. فسؤالنا هذا يريد أن يجعل من المدرسة قضية مطروحة للجميع. 
علينا أن نستحضر التفاوتات التي تعرفها كثير من البلدان في طرحها لوظيفة المدرسة، وتعدد مسارات التنمية وتنوعها واختلافها من بلد لآخر، وحتى لا نسقط في خطاب الخبراء أصحاب الوصفات الجاهزة الذين يقترحون مخرجا واحدا و وحيدا لمدرسة المستقبل تحت عناوين مختلفة كمدرسة الغد أو مدرسة الألفية الثالثة أو المدرسة المعلمة...إلخ ، نقترح مفهوما جديدا سيشكل عنوان مدخلنا أو عتبة حوار جماعي حول المدرسة هو: المدرسة الشاملة .
سيكون من المفيد توضيح مفهوم المدرسة الشاملة حتى نجعل منه أرضية لنقاش جماعي حول مدرسة المستقبل أو مدرسة الغد أو المدرسة المعلمة. وحري بنا كذلك أن نربط هذا المفهوم (مفهوم المدرسة الشاملة) بما تعرفه المدرسة اليوم من تجديدات على مستويات كثيرة منها:
أ- البيداغوجيا: إدخال المقاربة بالكفايات، تعدد المعينات والحوامل البيداغوجية، تعدد أنماط التعليم، إدخال التكنولوجيات الجديدة.
ب- الحكامة: اللامركزية، الشراكات، مجالس المؤسسات، وكالات التقويم، تعدد التقويمات، إعادة النظر في تكوين الموارد البشرية المدبرة والمدرسة. 
ج- هيكلة الأسلاك الدراسية: تمهين التعليم، وضع المواصفات، التدريس بالمجزوءات، وضع دفاتر تحملات، هيكلة جديدة للأسلاك الدراسية.
د- هيئة التدريس: المهنية، توصيف المهن، مراجع الكفايات، دراسة منصب الشغل...
ه- شبكات التواصل: إدخال التكنولوجيات الجديدة، ظهور مؤسسات- الشبكات المدرسية، البرانم التربوية، البوابات الالكترونية التربوية، برانم الدعم التربوي...إلخ.
إن هذه التجديدات ذاتها لا تخلو من خلفيات ورهانات تنسجم وما ذهبنا إليه أعلاه، وهي علامة على تحول أصاب المدرسة وما فتئ يغير مساراتها ووظائفها ويعطيها مضمونا جديدا إن لم يكن موعى به من طرف جميع المعنيين بمصير المدرسة فهو يتبلور بفعل الواقع الذي تعيشه المدرسة اليوم دون أن يهتم بالإرادات الحسنة أو السيئة، ولا بالحركات المعارضة أو المدافعة عن مثل هذا التوجه العالمي؛ ولهذه الأسباب وجب أن تطرح المدرسة لنقاش عمومي ليس لأنها مرفق عمومي وحسب وإنما لأنها تبني مواطنة المواطن وتساهم في تنمية البلدان.
فمفهومنا للمدرسة الشاملة لا يقف موقف المعارض والرافض للتحولات التي تعيشها المدرسة، ولا ينظر بسلبية للرهانات الاقتصادية التي تفرض منطقها على المدرسة، غير أننا – رغم عالمية هذه التحولات التي تصيب المدرسة منذ نهاية الثمانينيات من القرن الماضي- نرى بأن هذه التحولات - رغم عولمتها الكاسحة- يمكن أن تخضع لنقاش عمومي يستحضر التباين بين البلدان وسرعة التحولات ذاتها، والأهم من ذلك أن القبول بالتحول والتغيير في وظيفة المدرسة يجب أن ينبع من أهداف المدرسة الوطنية العمومية كمدرسة للجميع، مدرسة للعموم، مدرسة لعموم الوطن والمواطنين؛ ولهذا السبب ينبغي أن تكون مدرسة شاملة من حيث أنها:
o تعلم وتربي وتبني شخصية المتعلم في جميع أبعادها( التوازن النفسي، الأمن النفسي، الجانب المعرفي، الجانب الوجداني والعاطفي...)؛
o تعلم وتربي وتنمي قيم الذوق الفني والجمالي في جميع أبعادهما؛
o تعلم وتربي الناشئة على العقلنة والنسبية و آليات التفكير العقلاني؛
o تعلم وتربي الناشئة على تعدد وتنوع الثقافات والحضارات وأخلاق التسامح والتعايش؛
o تعلم وتربي الناشئة على التواصل مع الذات والغير والحوار العقلاني مع الثقافات والحضارات واستحضار الغير في الحياة اليومية؛
o هي فضاء للحياة الجماعية المشتركة قوامه الإنصاف والعدالة والمساواة وانعدام جميع أشكال التمييز؛ 
o هي فضاء متعدد يستفيد منه الجميع يلبي الحاجات الخاصة و الحاجات الجماعية؛
o هي فضاء لتشجيع تفوق المتفوقين وإتاحة الفرصة لهم لمواصلة تفوقهم، ودعم وتشجيع المتعثرين على مواصلة تمدرسهم...إلخ؛
o هي مدرسة تحتضن الذكاءات المتعددة والاختلافات والفوارق بين التلاميذ؛
o هي مدرسة تعلم وتربي النشء من أجل الحياة لا مدرسة تعلم من أجل الامتحانات المدرسية؛ إنها مدرسة تستحضر المتطلبات الاجتماعية كأفق لا محيد عنه، ولذلك وجب الاهتمام بتحويل ونقل المعارف بيداغوجيا؛
o هي مدرسة تعلم وتربي على أخلاق المسؤولية والواجب؛
o هي مدرسة تقوم على التنوع البيداغوجي الذي يسمح باجتهاد المدرسين والمدرسات وبروز كفاياتهم التدريسية؛
o هي مدرسة تقوم على تنوع المحتويات والإيقاعات المدرسية استجابة لمطلب الجهوية والمحلية واستقلالية المؤسسات التعليمية؛
o هي مدرسة تقوم على تنويع أمكنة التعلم، وتنويع المعينات والحوامل الديداكتيكية والبيداغوجية انسجاما مع تعدد الذكاءات وإيقاعات التعلم بالنسبة للتلاميذ، وتعدد ثقافاتهم ولغاتهم الأم وجغرافياتهم ومعيشهم وتنوع الحياة داخل الوطن الواحد، وتنوع الاختيارات البيداغوجية وتعددها بالنسبة للمدرسين والمدرسات؛
o ...إلخ.
إذن، كيف يمكن أن تنهض المدرسة الشاملة بهذه الوظائف دون أن تلغي كثيرا من الرهانات التي تحدثنا عنها سابقا بدعوى أنها تتزامن والليبرالية الجديدة أو أنها تعود لمنظور اقتصادوي أو أنها تستلهم الفكر التدبيري، وبذلك يتم رفض هذه الرهانات دون تعقل ولا روية، وبلا تبصر ولا بصيرة، بل دون استحضار لما يلي:
1. أننا مواطنو العالم وأن رفض العولمة المتمثلة في المنطق الاقتصادوي الصرف لا يعني الانغلاق وانبعاث الأصوليات وإنما يعني إعادة ترتيب العلاقة مع العالم وتحديد الأولويات بالنسبة للأوطان بما فيها الأولويات التي ينبغي أن تناط بالمدرسة بالنسبة لكل بلد . فالأولويات تتعدد بتعدد مسارات التنمية في كل بلد، وبتنوع قوة المؤسسات الدولتية. ففي حالة المغرب هناك أولويات مثل تعميم التمدرس و تكافؤ الفرص بين الطبقات والمناطق والجهات والأفراد والجماعات، و هناك حاجة للإدماج الاجتماعي والثقافي و التربية على الوطنية والمواطنة بالنظر للتباينات التاريخية والثقافية واللغوية والسوسيو-اقتصادية بين الجهات، كما أن هناك حاجات ملحاحة للنظر في المخرجات، وهو ما يعني وجوب النظر في المحتويات: البرامج والمناهج و أشكال التدريس والبنيات المدرسية وعلاقة المدرسة بمحيطها في إطار تعاقدات جديدة حول المدرسة ووظائفها.
2. إن استلهام المنطق الاقتصادي لجعل التعليم نافعا، واستلهام المنطق التدبيري الصرف لجعل المدبر عقلانيا، وإدخال التكنولوجيات الجديدة لمشاركة الإنسانية في التطور، كل هذا لا يعني الانصياع لمنطق الليبرالية الجديدة وفتح فضاء المدرسة أمام جشع المقاولات أو جعل المدرسة سوقا استهلاكية للتكنولوجيات الجديدة. فإذا ما استحضرنا التساؤل حول ما ينبغي أن تقوم به المدرسة اليوم سنجد بأنه لا يحيد عن مفاهيم كالتأهيل والإدماج والتكوين وتخريج أطر ذات كفايات للتسيير والتدبير والتخطيط والتوجيه...، وكذلك تخريج متخرجين مبادرين ومبدعين في عملهم، يتواصلون ولهم قدرة عالية على حل المشاكل وفض النزاعات، يتسمون بالفعالية والمردودية، يقدرون قيمة الزمن، ويتفادون هدر المجهود والطاقة والمال العمومي...إلخ، يؤمنون بالمبادرات لأنهم يؤمنون بالذات وبالمستقبل ويؤسسون لقيم الاعتراف بالمجهود والذكاء ولقيم التنافسية الإيجابية والشفافية...إلخ. والنتيجة أن كل هذه الرهانات تدفعنا وتحثنا وتحفزنا على الاستفادة من القيم الإيجابية للإيديولوجيات اللبيرالية وقيم علوم التدبير والتسيير والإدارة وقيم شبكات التواصل. 
ولعل بناء هذه الكفايات انطلاقا من المدرسة المستلهمة من المنطق الاقتصادي ومن أنظمة التدبير ومن التكنولوجيات الجديدة كفيلة بأن تكون كفايات مستعرضة في الفضاء والمحتوى المدرسيين حتى نساير منطق العالم وسرعة العولمة، ولا يعني في نظرنا أن حضور مثل هذه الكفايات المستعرضة في الفضاء والمحتوى المدرسيين أننا نقدم المدرسة هدية للمقاولات أو المنطق الاقتصادي أو السوق على طبق من ذهب. 
لا بد من الإقرار أن دفاعنا عن المدرسة الشاملة لا يعني رفض المبادرات الإصلاحية التي تعرفها المدرسة، كما لا يعني رفض مختلف التقييمات والتقويمات الصادرة عن المنظمات والمؤسسات الدولية لأداء الأنظمة التربوية بدعوى أن هذه التقييمات تصب في اتجاه واحد ووحيد. ومن جانب ثان لا يعني اقتراحنا لمفهوم المدرسة الشاملة رفضا لما يراد أن تقوم به المدرسة من منطلق اقتصادي صرف. فجميع الدول اليوم تعيد النظر في وظائف أنظمتها التربوية. وإن الأصوات تتعالى هنا وهناك مطالبة المدرسة بالتربية والتعليم والتكوين والتأهيل، وهي مطالب جوهرية ترتبط بمستقبل الأفراد والبلدان تحث إن تأملنا ذلك على تغيير وظائف المدرسة؛ ولذلك ليس هناك من داع للتراجع، إذ يجب كما يقول فليب بيرنو التلاؤم مع وضعية بدون معرفة بالتحديد ما نعارضه. علينا إذن الخروج من سذاجة لا يغتفر لها ومن البارانويا المشلولة أوالوقوف موقف المنتبه اليقظ الحذر الذي يترقب ولا ينخرط ولا يتلفظ بشئ حفاظا على نزاهته الذاتية؛ غير أن التاريخ لا ينتظر كل هؤلاء ، لا ينتظر من ينتظر نهايته ليصدر حكما أو ليقول لنا بأنه كان على حق و بعد ذلك سيدخل المعركة !. 
إن المدرسة الشاملة تعترف بكل إصلاح يجعلها مدرسة للجميع؛ ولذلك فهي في قلب ما يحدث من رهانات. ولعل أولى الرهانات أنها تتحدث لغة الكفايات كالاقتصاد وسوسيولوجيا الشغل وعلم النفس الشغل والإرغونومي...إلخ، والصحة والحكامة والسياحة وجميع برامج التدبير والتسيير والتكوين. فليس من المقبول أن تكون لغة المدرسة جزيرة مفصولة عما يحدث في العالم وفي المعارف وأنماط التدبير والتسيير؛ ولهذا فإن لغة المدرسة اليوم غير عادية في سياق غيرعاد يحتاج إلى مخططات تنموية شاملة مندمجة متفاوض حول أسسها ومنطلقاتها وأولوياتها حتى لا تظل المدرسة جزيرة منفصلة بآلاف الأميال عن واقعها ومحيطها.
علينا النظر من منطلق المدرسة الشاملة إلى الكفايات كتصور شمولي لأداء النظام التربوي، وبالتالي لأداء المؤسسات والموارد البشرية وللمستفيدين من خدمات النظام التربوي وللعلاقات مع شركائه...إلخ. 
إن التصور الشمولي للكفايات في النظام التربوي يستحضر جميع الرؤى المعرفية والرهانات التي تحدثنا عنها إلا أن هذا التصور يقيم الاختلافات ويحدد المسؤوليات ويعيد تركيب الوظائف بما يتناسب والخدمة الجيدة: جودة الأداء بالنسبة للجميع وجودة الخدمة بالنسبة للجميع.
* * *
يطرح هذا الكتاب بأسلوب مختلف قضايا المهنية والتمهين بأسلوب مختلف عما سرنا عليه في السابق؛ إذ يروم الطريقة المعجمية أو الموسوعية في الشرح والتفسير والتوضيح بدل التركيب والقراءة والتأويل والبناء. وكان هذا الاختيار نابعا عن وعي بما نقوم به لأن الموضوع المطروح يتطلب طرح الآراء والأفكار في تعددها وتناقضها، وتجميعا للآراء والمواقف والمنظورات والسياسات الخاصة ببعض الدول، والغاية هي أن نضع القارئ وأنفسنا وسط ركام الآراء المختلفة والمتناقضة إزاء موضوع لم نتجرأ على طرحه بوضوح إن لم نقل أننا نستحضره في خطاباتنا اليومية وبعض التدابير الوزارية دون مباشرة ولا جرأة.
موقع الأستاذ

موقع تربوي مستقل يهتم بجديد التربية والتعليم بالمغرب

للتواصل معنا يرجي زيارة صفحة تواصل معنا: موقع الأستاذ

التعليم و خطاب المهنية Reviewed by موقع الأستاذ on 4:48 م Rating: 5 التعليم و خطاب المهنية الحسن اللحية يروم خطاب المهنية تغيير المهام والأدوار الجديدة التي ينب...

ليست هناك تعليقات:

جميع الردود تعبّر عن رأي كاتبيها فقط.