التربية و البيداغوجيا - موقع الأستاذ

728x90 AdSpace

آخر المستجدات
الاثنين، 6 يوليو، 2015

التربية و البيداغوجيا

التربية و البيداغوجيا
التربية و البيداغوجيا
خالد حمدان و عبداللطيف معتصم
باشراف: الحسن اللحية
حياته وتأثراته: 
عاش الرجل في الفترة ما بين 1858 – 1917م. وهو يعد من أوائل الفرنسيين في علم الاجتماع الذين ساروا في طريق العمل الأكاديمي، أثر تطلعه هذا في نشاطه وأفكاره، فقدر له أن يواجه ظروفا مرتبطة بالعمل الجامعي عكس سابقيه، ابن خلدون وأوجست كونت، وماركس، الذين كانوا رجال فكر، ورجال حياة عامة. ولد دروكايم في إبينال باللورين، المقاطعة الفرنسية الشرقية. وأتى ميلاده لأب من الحاخامات اليهود، الذي أراد لابنه أن يسير على نهج الأسرة، بأن يصبح رجل دين. وقد أراد الابن لنفسه هذا أيضا، ومن ثم درس العبرية وقرأ كتاب العهد القديم، والتلمود الذي يحوي تعاليم الأحبار الربانيين الموسويين. وفي الوقت نفسه درس العلوم العلمانية وسار في التعليم الحكومي. وبعد محاولتين فاشلتين تم قبوله بالمدرسة العليا سنة 1879م. وفيها التقى بعدد من الرجال الذين تركوا آثارا واضحة على الحياة الفكرية في فرنسا، من أمثال هنري برجسون الفيلسوف الشهير، وبيير جانيت الباحث في علم النفس، وكان من أكثر أساتذة المدرسة تأثيرا فيه فوستل دي كولانج مؤلف كتاب (المدينة القديمة) والذي أصبح بعد ذلك مديرا للمدرسة .
وبعد تخرجه من هذه المدرسة سنة 1882م اشتغل دوركايم بالتدريس في المدارس الثانوية حتى سنة 1887م، ثم أتيح له أن يذهب إلى ألمانيا في إجازة علمية، وهناك تعرف على فكر (فاجنر) و(شمولر) و(فونت) وتأثر بهم وانعكس هذا على موقفه الفلسفي، سواء من الفكر أو من الواقع، هذا بالطبع بجانب تأثره البالغ بفلاسفة عصر التنوير من أمثال (جان جاك روسو) ومونتسكيو، كما تأثر بالطبع بفكر (سان سيمون) الذي عده دوركايم أستاذه في علم الاجتماع. 
وأما عن أبرز الملامح البنائية للمجتمع الذي عاش فيه، فمع أن فرنسا كانت تنؤ في أوائل ومنتصف القرن التاسع عشر بالثورات، إلا أن المسرح السياسي في تسعينات هذا القرن عايش هدوءا نسبيا. وأما عن مجتمعه الذي قضى فيه سنوات الطفولة والتنشئة الاجتماعية الأولى، فقد كان مجتمعا يهوديا محافظا ومتضامنا تسوده علاقات مباشرة، ومع أنه انتقل إلى العاصمة (باريس) حيث المجتمع المتباين فلم ينس ارتباطاته الأولى حتى أن يخيل للمرء أن تصوره للمجتمع لم يخرج عن هذين النمطين، مجتمع الطفولة البسيط، ومجتمع العاصمة المعقد، كما اتضح من تصوراته للتضامن الآلي والتضامن العضوي. على أن فهمنا لتصوره لدور علم الاجتماع يقتضي تفحص علاقته بالفكر الاشتراكي. حيث بدأ يهتم ومبكرا بهذا الفكر، سواء ما قدمه (سان سيمون) أو (ماركس). ففي الوقت الذي كان يطلع فيه على أنماط هذا الفكر، بدأ يخط التصور الأول لدراسته الشهيرة حول (تقسيم العمل)، وكانت النتيجة أن صاغ أفكارا ونظريات متأثرة حينا بالمقولات الاجتماعية للاشتراكية ومناهضة لها أحيانا أخرى ولكن تصوراته كانت تؤكد التضامن الاجتماعي بدلا من الصراع الاجتماعي. 
مؤلفاته:
ولقد ترك دوركايم مؤلفات وبحوث كثيرة، نشر بعضها في حياته، ونشر أتباعه البعض الآخر بعد وفاته ، ومنها:
• تقسيم العمل الاجتماعي .(1893)
• قواعد المنهج في علم الاجتماع .(1895)
• المجلة السنوية لعلم الاجتماع عام(1896) التي أصبحت لعدة سنوات المجلة الرئيسية للفكر الاجتماعي والبحث في فرنسا.
• الانتحار .(1897)
• التربية الأخلاقية .(1903)
• الصورة الأولية للحياة الدينية .(1912)
• التربية وعلم الاجتماع (1922)
• علم الاجتماع والفلسفة.(1924)
• الاشتراكية (1928)
نظريته:
اتبع دوركايم التيار الوضعي الذي أرسى دعائمه ابن خلدون في بداية القرن الخامس عشر وبلوره وطورره أغيست كونت في منتصف القرن 19، حيث تبنى الطرق والغايات، الطرق التي تأخذ العلوم الطبيعية نموذجها، والملاحظة للتعرف على قوانين وظيفة وتحول المجتمعات، واعتبار الأحداث الاجتماعية كأشياء تكشف من خلال الرموز الموضوعية المتجسدة في الإحصاء أما الغاية فتتمثل في التعرف على الاضطرابات والاختلالات الوظيفية المحتملة، كما هو الأمر بالنسبة للتشخيص الطبي. والسوسيولوجي، حسب دوركايم ينبغي أن ينطلق من طرح تعريف واضح لما هو عادي وما هو مرضي بالنسبة لكل مجتمع يرغب في دراسته. والعادي بالنسبة لدوركايم، هو على العكس من ذلك، مخالف لما هو شائع ومعتاد أو متفق عليه. كما أن المجتمع، في تصور دوركايم، هو ذالك "الوعي الجماعي" الذي يعتبر من الألفاظ المعروفة في سوسيولوجيا دوركايم، فهي عبارة عن كينونات عادية، قبل أن يكون لها وجود ملموس أو مألوف. والأحداث الاجتماعية هي عبارة عن أشياء أو أمور أخلاقية، إذ ليس هناك مجتمع مجرد من جسم القوانين والممنوعات والمقدسات، إن هذه الأشياء الأخلاقية، هي التي تكون في الجوهر، لأن التفوق الأخلاقي للمجتمع على الفرد، هو الذي يقدم خاصية كاملة سليمة ومقبولة.
بالنسبة لدوركايم، فإن المراقبة الاجتماعية للأفراد تعتبر أمرا ضروريا حتى لا ينهار هذا الأخير من جراء وفرة الحرية، لأن داخل المجتمع السليم، لا يمكن أن يحقق تفتحه ونموه إلا بالاندماج ضمن بيئة تفوق وتعلو عليه. والمجتمع السليم هو الذي يخيم عليه نوع الإجماع، كما أن الحالة العادية لمجتمع ما، هي التي يتوفر فيها نمو التلاحم بين أعضائها، ونمط الضبط العادي للتلاحم فإنه يختلف باختلاف درجة تحضر ذلك المجتمع وبدرجة الاختلاف القائمة داخله. كما يعتبر تبادل خدمات المشاركين في العمل الجماعي من أهم عوامل التلاحم العضوي والوظيفي لكل مجتمع من المجتمعات. والقول بالتغيير الاجتماعي عامل أساسي لتجاوز الأزمات والاضطرابات المختلفة، ويحيل على عملية عزل متغيرات هذه الاضطرابات التي تدخل في المهام التي يقوم بها السوسيولوجي .
إن دوركايم بذل جهدا واضحا لتحديد علم الاجتماع، والتأكيد على طابعه النوعي الذي يميزه عن العلوم الطبيعية من جانب، وعن علم النفس من جانب آخر. وفي سبيل هذا اهتم بتحديد خصائص الظاهرة الاجتماعية بصرف النظر عن اتفاقنا على مصداقية هذه الخصائص – بوصفها المقولة السوسيولوجية الأساسية أو الموضوع الأساسي للبحث السوسيولوجي. وفي هذا حاول أن يبرهن على أن للظاهرة الاجتماعية طبيعة خاصة، تميزها عن غيرها من الظاهرات البيولوجية والسيكولوجية. ومع أهمية هذا الجانب إلا أنه يلاحظ تماديه في مسألة الخصوصية التي جعلته متباينة متغايرة بين مجتمع وآخر، وبين جماعة وأخرى، مما يقف عقبة أمام إمكانية القيام بتعليمات علمية، أو صوغ قوانين ترصد حركة التطور الاجتماعي. ومن الشواهد على هذا التمادي إشارته إلى أن (الانتحار) ظاهرة فردية ترجع إلى الفروق الفردية للأفراد، وهي ليست فروقا سيكولوجية، وإنما ترجع إلى بعض الخصائص الاجتماعية لكل فرد من الأفراد حسب الظروف التي يعيش فيها، في الأسرة والمهنة وما إلى ذلك، والتي تنعكس على وعيه الفردي وتحدده، وبالتالي يؤثر هذا الوعي في سلوكه وفي قيمه وفي مواقفه، بل وفي واقعه. وبإيجاز يؤثر الوعي في واقع الناس وتصرفاتهم 
تقديــــــــــــم:
إن التربية غنية بمواضيعها ومجالاتها، غير آمنة الحدود، منفتحة باستمرار على الوافدين إليها من حقول وتخصصات مختلفة، منشغلة على الدوام برسم خريطة لمساراتها، وتحديد معالم فروعها واتجاهاتها، إنها مسكونة بهاجس تجريب ومساءلة ما يأتيها من علوم أخرى. فبفضل خطاباتها وتنوع مقارباتها تخطى الإنسان طبيعته نحو وضع تربوي ثقافي رفيع وعندما تشتغل الفلسفة والسوسيولوجيا على موضوع التربية فإنهما في نفس الآن ينتجان خطابا إنسانيا معقلنا ليس له من هدف سوى تبرير هذا الاشتغال.
بالرغم مما يلاقيه الباحث في موضوع التربية من مشقة وتعب، وما يصادفه من عقبات، فإننا نرى أن هذا الموضوع أولى بالدراسة وأحوج إلى البحث، باعتباره هاجسا مسكونا بالقلق لتعدد خطاباته وتعقد موضوعاته وقضاياه. ونظرا للتطور الذي عرفته سوسيولوجيا التربية، والذي أدى إلى ظهور مجموعة من النظريات التي مكنت من بروز عدة مقاربات سوسيولوجية في المجال التربوي داخل المجتمع الحديث، فقد ارتأينا، في هذا البحث، الوقوف عند الاتجاه النظري الأول ضمن هذه المقاربة، وهو الاتجاه الإصلاحي الإنساني لعالم الاجتماع الفرنسي “إميل دوركايم”، الذي يعد أول من قام بوضع اللبنات الأولى لعلم اجتماع التربية ضمن كتابه المشهور "علم اجتماع التربية" والذي يحاول من خلاله أن يبني مشروعه السوسيولوجي – التربوي انطلاقا من نقده لمختلف المفاهيم والتحديدات التي اتخذتها التربية عند العديد من الفلاسفة والمفكرين، أمثال جون جاك روسو، وإيمانويل كانط … وغيرهما. 
فبالرغم من أن هؤلاء الفلاسفة والمفكرين والمربين، بدءا من تدشين عصر الأنوار إلى عهد دوركايم، قد تنبهوا إلى الوظيفة الاجتماعية للتربية، غير أن تنبههم هذا كان مفتقرا إلى تصور سوسيولوجي متكامل للظاهرة التربوية، حيث باتت تصوراتهم منضوية تحت اتجاهاتهم الفلسفية والفكرية العامة والتي شكلت المقدمات الفكرية للمشروع السوسيولوجي. وانطلاقا من هذه الآراء توصل دوركايم إلى أن التربية تعتبر بمنزلة فعل اجتماعي يتم ويمارس في مجتمع محدد وفي لحظة تاريخية محددة، ووفق أهداف محددة يضعها المجتمع لنفسه كمشاريع ينبغي تحقيقها.
هكذا نرى أن هذا المشروع السوسيولوجي الدوركايمي في عمقه يعتبر بمنزلة مشروع تربوي بحيث يعالج طبيعة العلاقة الرابطة بين التربية والنظام الاجتماعي، ومن ثم اعتبر الظاهرة التربوية واقعة اجتماعية مستقلة عن وعي الأفراد، وبالتالي قابلة للدراسة العلمية الموضوعية.
ورغم أن دوركايم كان يبحث بجدية عن بناء تصور سوسيولوجي عملي بديل للظاهرة التربوية ينأى بها عن التصورات الفلسفية المثالية لمن سبقه من المفكرين، فقد ظل هو نفسه، وإلى حد ما، مرتبطا في مشروعه بإطار قيمي معياري أخلاقي. بيد أن ذلك لا ينزع عنه فضل السبق التاريخي في تحليله للوقائع التربوية ضمن مشروعه النظري السوسيولوجي العام.
I- التربية، طبيعتها ودورها:
مفهوم التربية عند دوركايم:
من خلال تحديده لمفهوم التربية، يرى دوركايم أن هذه الأخيرة عبارة عن عملية تنشئة منظمة تجعل من كل الأفراد كائنات فردية ومجتمعية في نفس الوقت، كما أن آراءه أعلنت تصنيفه في صف التربية الاجتماعية، حيث يعرف التربية على أنها "التأثير الذي يمارسه جيل الراشدين على الجيل الذي لم يرشد بعد من أجل الحياة الاجتماعية، إن هدفها هو إثارة وتنمية، لدى الطفل، مجموعة من الحالات الفيزيائية والفكرية والأخلاقية التي يتطلبها منه المجتمع السياسي، في جملته، وتتطلبها منه البيئة الخاصة التي يعد لها بوجه خاص" ، ومن هنا نرى أن دوركايم يشدد، من جهة، على أن المسؤول على رعاية وتنشئة الأفراد هو المجتمع، ومن جهة أخرى، يرى أن الفرد مطالب بأن يدمج نفسه في المجتمع ويشارك في مختلف نشاطاته.
إن دوركايم قد بنى موقفه من التربية باعتبار الفرد يولد وهو مجرد من طبيعته الاجتماعية، والتربية هي الوسيلة الأنجع لتكوين أشخاص على الصورة التي يريدها المجتمع وطبقا لأهدافه. كما تضع الطفل في وضع مباشر مع مجتمع محدد، وأنها تطبيع اجتماعي، أي تلك الآلية التي يتم من خلالها دمج الناشئة ضمن نسيج نمط حياة سائد في المجتمع.
ويعتقد إميل دوركايم بأن غرس المظاهر الجماعية في الفرد بواسطة التربية هو ما يحدد هدف التربية، ومهمة التربية في نظره تكمن في أن ينتقل الفرد من وضع أناني غير اجتماعي إلى وضع اجتماعي، أي أنها تخلق فيه روحا جديدة تجعله قادرا على تحمل حياة الجماعة، فالتربية تجعل الإنسان ينتقل من وضع يكاد يكون مشابها لوضع الحيوان، إلى وضع رفيع المستوى يتحكم فيه العقل ويؤهل الشخص إلى أن يلعب دورا إيجابيا في تطور المجتمع بصفة عامة. بحيث يرى أنه بفضل تراكم معارف أجيال الماضي، أصبحت الثقافة العلمية من الضروريات والأولويات ولم تعد فقط من الكماليات بالنسبة للإنسان والمجتمع.
فالتربية إذن، من خلال هذا الشكل، هي مجموعة من التفاعلات المتبادلة بين مؤسسات المجتمع، فهي تهدف إلى إعداد الكائن الاجتماعي، ويرى إميل دوركايم أنها المسؤولة عن إتاحة فرص النمو لكي يتحقق في هؤلاء الأفراد ألوانا من الفكر والعاطفة والسلوك، التي ما كان يستطيع تمثيلها بنفس الدرجة والمستوى لو تُرك بدونها، ويضيف أن الموضوع الحقيقي للتربية ليس شيئا آخر غير إعداد الكائن البشري، فهي عملية تعليم وتعلم الأنماط المتوقعة من السلوك الإنساني، فهي بذلك عمل إنساني وليست شيئا يمتلكه الأفراد ولكنها عملية لها مراحلها وأهدافها. فالطفل يرث بعض الأسس البيولوجية عن الآباء ولكنه يكتسب المكنونات النفسية والاجتماعية لشخصيته عن طريق التربية ليكون عضوا فعالا داخل المجتمع، وهكذا يتمثل عطاء التربية للمجتمع في إعداد النظم الاجتماعية بالقوى البشرية وفي تطوير ثقافة المجتمع.
خلاصة يمكن القول أن التربية، بالنسبة لدوركايم، تأخذ أشكال متعددة مختلفة وذلك بتعدد الوسط الاجتماعي واختلاف المجتمع، كما يمكن اعتبارها وسيلة لتنظيم ذات الفرد وذات المجتمع.
الطابع الاجتماعي للتربية: 
يعتبر دوركايم أن بقاء المجتمع رهين بمستوى التجانس والتكامل بين أفراده، كما يعتبر أن النظام التربوي بمثابة ركيزة مهمة في دعم واستقرار هذا التجانس، مشيرا إلى أن هذا النظام يزرع في الطفل - منذ البداية الأولى للمدرسة - قيم ومعايير المجتمع الضرورية لإحداث عملية التكامل الاجتماعي. كما يرى أن مهمة النظام التربوي في المجتمع هي دمج الأفراد في المجتمع، وهو ما يطلق عليه مفهوم التضامن الاجتماعي. وهذا يعني تزويد الأفراد بما يهم حاجاتهم الشخصية من استعدادات وحوافز لتحقيق كياناتهم الفردية من جهة أولى، ومن جهة ثانية تزويدهم بمختلف الأفكار والإحساسات والقواعد التي تعبر عن ثقافة المجموعات الاجتماعية لتشكل الكائن الاجتماعي.
ولذا يشير إلى أن هدف التربية هو تحقيق الإنسان، لا كما خلقته الطبيعة، بل كما يريد المجتمع قائلا: " في كل واحد منا يوجد كائنان لا يمكن الفصل بينهما إلا على نحو تجريدي، أحدهما نتاج كل الحالات الذهنية الخاصة بنا وبحياتنا الشخصية وهو ما نطلق عليه الكائن الفردي، أما الكائن الآخر فهو نظام من الأفكار والمشاعر والعادات التي لا تعبر عن شخصيتنا، بل عن شخصية الجماعة أو المجتمع الذي ننتمي إليه كالعقائد الدينية والممارسات الأخلاقية والتقاليد القومية والمهنية والآراء الجماعية من أي نوع، وهي تشكل في مجموعها الكائن الاجتماعي الآخر. ويتمثل هذا الكائن في كل واحد منا, وهو غاية التربية" . وهكذا فالكائن الاجتماعي يمثل في نهاية المطاف هدف التربية وغايتها. فبدون حضارة يصبح الإنسان شبيها بالحيوان, وبالتضامن الاجتماعي يصبح الإنسان إنسانا. فالعقلنة والتواصل والدين هي كلها مواضيع جماعية ذات طابع اجتماعي، فبالعقل يكون الإنسان إرادته التي تجاوز متعته، وبالتواصل يعبر عن أحاسيسه وبالدين والعلم يكون الذكاء الإنساني.
إن الكائن الاجتماعي لم يتواجد في التنشئة الأولى للإنسان، فالطفل عند ولادته يدخل في المجتمع بطبيعته كفرد، وعند دمجه في المجتمع يكتسب منه القوى العقلية ليصبح اجتماعيا، أي أن المجتمع يمنح للفرد (الكائن الأناني والغير الاجتماعي) كائنا يجعله قادرا على عيش حياة اجتماعية معقلنة، وهذا هو دور التربية حسب دوركايم. كما يضيف أن التوارث ينقل آليات تؤمن الحياة العضوية عند الحيوانات لتعيش في مجتمع بسيط، ولكنه غير قادر على نقل القدرات اللازمة لتحمل الحياة الاجتماعية للإنسان، وهذه القدرات هي التي تمنح الطابع الاجتماعي للإنسان. 
إن هذا التصور السوسيولوجي للطبيعة ولدور التربية يتم فرضه بالقوة البديهية، وحسب دوركايم، هي بديهية أساسية، وبالضبط حقيقة التجربة، والذي لم نجده عند الفلاسفة من قبل، بحيث هؤلاء متفقين على أن يروا في التربية ما هو فردي، ولا يعتبرون الإنسان الحقيقي حسب الزمان والمكان. يشير دوركايم بالنسبة لكانط، كما بالنسبة لروسو وهيربرت وسبينسر، موضوع التربية هو تحقيق، لكل فرد، المهام المكونة للإنسانية بصفة عامة، بحيث يرى أن هؤلاء المفكرين يعتبرون أن التربية مثالية وموجبة لجميع الأفراد، كما أنها عالمية ووحيدة. 
إن دوركايم كان الأكثر تأثيرا باتجاهه الإصلاحي الإنساني حيث أسس موقفه من التربية على أنها شيء اجتماعي، تضع الطفل في وضع مباشر مع مجتمع محدد، وأنها تطبيع اجتماعي Socialisation يعني تلك الآلية التي يتم من خلالها دمج الناشئة ضمن نسيج نمط حياة سائد في المجتمع، وفق متطلبات كل نمط وتوافقاته العلائقية والمعرفية. وهكذا فالتطبيع الاجتماعي عملية تمكن من استيعاب الناشئة للتجربة الاجتماعية بالدخول في البيئة الاجتماعية في نظام العلاقات الاجتماعية، كما أنها عملية تجديد إنتاج نظام العلاقات الاجتماعية من طرف الناشئة.
دور الدولة في الإشراف على التربية : 
يشير دوركايم إلى دور الدولة في الإشراف على التربية قائلا: "يجب أن تؤمن التربية بين المواطنين وحدة كافية من الأفكار والمشاعر والتي بدونها يستحيل قيام أي مجتمع. ولتتمكن من الوصول إلى هذه النتيجة وجب عليها أيضا ألا تهمل كليا تحكم الخصوصيين" ويتابع دوركايم قوله "ومنذ اللحظة التي تصبح فيها التربية وظيفة اجتماعية أساسيا، فإن الدولة لا يمكنها إغفال الاهتمام بها، وعلى العكس من ذلك، فكل ما هو تربية يجب أن يخضع لها ". يتضح إذن أن الدولة لم تغفل اهتمامها بالتربية بل إن هذه الأخيرة تخضع للدولة، من حيث أنها المسؤولة عن سير المجتمع ونظامه ووحدته الفكرية والسياسية ووضع القوانين وتنفيذها، وبالتالي كان من الطبيعي أن تهتم بالتربية ذات الطبيعة والوظائف الاجتماعية. 
إلا أن تدخل الدولة في التربية والتعليم ينحصر في حدود معقولة جدا كما يذهب إلى ذلك إميل دوركايم نفسه، إذ يشير إلى أن لا ينبغي أن يأخذ، هذا التدخل، طابعا إكراهيا أو عنيفا أو عدوانيا من أجل فرض توجه معين معارض للتوجهات المجتمعية والقومية المشروعة. وهكذا يعتبر أن من دور الدولة واختصاصاتها العمل على تطوير أنظمة التعليم وذلك لتكريس الوحدة الوطنية، خاصة وأن الفترة الزمنية التي أثر فيها دوركايم كانت هي بداية الوحدة الوطنية، وكان الهدف من التربية هو خلق ذلك الشعور الوطني لدى الطفل، وبالتالي أصبحت التربية حقا مقدسا لكل مواطن، لا تتمكن أية مؤسسة سوى الدولة من ضمان وحفظ هذا الحق لكافة المواطنين بغض النظر عن اختلاف طبقاتهم ونزاعاتهم وأوضاعهم المادية. ومهمة الدولة هذه يجب أن تنطبق على جميع مراحل التعليم والتربية، إذ عليها يقع عبء السهر والمحافظة وزيادة جميع القيم الاجتماعية التي تؤلف الإرث الاجتماعي والوطني.
وضح دوركايم أن إشراف الدولة على شؤون التربية لا يعني حصرها فيها بصورة مطلقة باعتبار أن الحصر والسيطرة الكلية مضران ومعيقان للعملية التربوية الصحيحة لجملة من الأسباب منها: أولا، عجز الدولة على إعطاء تربية كاملة، خاصة في المجالات الدينية والأخلاقية والصناعية. ثانيا، يمكن أن تصبح الدولة محافظة مع مرور الزمن، ولهذا تكون المؤسسات الخاصة والأفراد المختصون أكثر تجذيبا وتقدمية، حيث يميل تعليم الدولة إلى تطبيق توحيد مناهج الدراسة وتبسيط الوسائل والطرق وعينية الأفكار. ثالثا، يمكن أن تصبح مخصصات الدولة، مع الزمن، غير كافية لحاجاتها، وتهمل كثيرا الإصلاحات، وتتأخر عن القيام ببعض التجديدات كما تعرقل نمطيتُها السرعة في تطبيق الإصلاح .
لتفادي هذه الأسباب يجب أن نرتبط بحرية التربية والتعليم مع الاعتراف بحق إشراف الدولة المحدود والمعقول عليها من جهة أولى، ومن جهة ثانية يجب أن تعطي الدولة الحرية للمدارس الخاصة، على شرط أن تتقيد جميعا بمبادئ أصبحت مقدسة بالنسبة للجميع في المجتمع الحديث، بعيدا عن كل المبادئ التي من شأنها أن تقوم بتخزين كل ما تم بناؤه.
وخلاصة يمكن القول أن دوركايم يؤكد على دور الدولة في الإشراف على التربية باعتبارها الساهرة على تسيير المؤسسات التربوية لخلق ذلك الإنسان المطلوب والمرغوب فيه اجتماعيا. 
سلطة التربية ووسائل التأثير: 
بعد تحديده لهدف التربية، يقول دوركايم يجب البحث في تحديد كيف وإلى أي مدى يمكن للتربية أن تحقق هذا الهدف، يعني كيف وإلى أي مدى تصبح التربية فعالة. ويشير أن حل هذه الإشكالية يتعلق بأهمية وطبيعة الاستعدادات الفطرية، من جهة، وبقدرة وسائل التأثير التي يملكها المربي من جهة أخرى. وبالتالي يعتبر هذا الأخير حجر الزاوية في مهمة التربية الاجتماعية، فإذا كان الطفل حين يولد يحمل معه طبيعته كفرد فإن المربي بمهاراته وقدراته قد يكسبه طبيعته الاجتماعية والأخلاقية، وهي مهمة أخلاقية حسب دوركايم.
إن التربية، في نظر دوركايم، ليست الشيء الوحيد الذي يفرق بين الأفراد - كما يعتقد جون لوك وهيفتيوس – فهي تطبق من خلال استعدادات تجدها جاهزة في الفرد، وهذه الاستعدادات قوية تصعب إزالتها أو تحويلها جذريا، وأنها عامة وواسعة، كما أنها هادفة تجعل العقل يفكر بدقة. ويضيف دوركايم قائلا:" كل مستقبل الفرد تجده محددا مسبقا، ولا يبقى الكثير أن تفعله التربية" . ويشير أن هذه الاستعدادات تتغير حسب الوضعيات وحسب الظروف، يمكن أن يرثها الفرد من والديه، فهي دوافع نحو اتجاه معين، ولكن الوسائل التي تحدد هذه الدوافع تتغير من فرد لآخر، ومن مناسبة لأخرى، والتربية هي إحدى هذه الوسائل. وهكذا يشير قائلا: " الذي يتلقاه الطفل من والديه عبارة عن كليات عامة، وبعض قوة الانتباه، والمثابرة والخيال وغيرها، ولكن كل واحدة من هذه الكليات يمكن أن تؤدي إلى غايات مختلفة. فالطفل الذي يتمتع بقوة الخيال الحي، حسب التأثيرات والظروف، يمكن أن يصبح صباغا أو شاعرا أو مهندسا... الفرق واضح إذن بين الصفات الطبيعية والشكل الخاص الذي ينبغي أن تتخذه هذه الصفات لتستعمله في الحياة" . بحيث يرى أن حياة الإنسان تتعلق بعدة شروط معقدة ومتغيرة وبالتالي لا يمكن أن تتبلور وفق شكل محدد ونهائي، فقط الأحكام العامة والغامضة التي تعبر عن الخصائص المشتركة بين جميع التجارب الخاصة يمكن أن تمر من جيل إلى آخر. وهكذا يعتبر دوركايم أن المسافة بين لحظة ميلاد الطفل وبين اللحظة التي ينبغي أن يصير عليها حتى يتسنى له أن يلعب دورا مفيدا للمجتمع، هي مسافة لا يستهان بها، بحيث هي التي تحدد شخصية الطفل. وبالتالي تبقى رهينة، في اختلافها وتنوعها، بما يقدمه المجتمع لهذا الطفل. بحيث تبقى كمجال مفتوح لتأثير المربي.
ويشير دوركايم أن مما يدعم تأثير المربي على الطفل، من جهة، كون هذا الأخير في حالة السلبية، بشكل طبيعي، بحيث ضميره لا يزال يحتوي على عدد محدود من التمثلات، والتي يمكن محاربتها بما يقدمه المربي، كما أن إرادته لا تزال بدائية يمكن التأثير عليها بسهولة. ومن جهة أخرى، من الطبيعي، أن المربي يتواجد في مرتبة أعلى من مرتبة الطفل، وهذا راجع إلى ثقافته وتجربته. مما يعطي، بشكل طبيعي، لتأثيره القدرة الفعالة.
كما يشير دوركايم إلى الإحساس بالواجب قائلا " لا يمكن للطفل أن يعرف الواجب إلا عن طريق معلميه أو أبويه، فهو لا يستطيع معرفة ما عليه إلا من خلال الطريقة التي يظهرونها له بلغتهم وبسلوكهم... وهذا يعني أن السلطة المعنوية هي نوعية المربي، لأنها هي التي تجعل من الواجب واجبا" . ولهذا يشدد دوركايم على أن المعلم يجب أن يكون هو أساس السلطة التربوية، بحيث يكون مالك إرادة، لأن السلطة تستلزم الثقة، والطفل لا يمكنه وضع ثقته بشخص يراه يتردد ويتماطل ويتراجع عن قراراته. ولكن هذا الشرط الأول ليس الأكثر ضرورة. بحيث يرى دوركايم أن الضروري يجب على المعلم أن يشعر فعلا بهذه السلطة والتي تتمثل في قوة لا يمكن أن يظهرها إلا إذا توفرت فيه فعلا. وهذه السلطة يجب أن يكتسبها من ذاته، ولا يمكن أن تأتيه إلا من إيمانه الداخلي لذا وجب عليه أن يؤمن بمهمته وعظمتها. كما أنها لا تدخل في الفخر والغرور والتحذلق، فهي نابعة من احترام المعلم لمهامه، وهذا الاحترام وهو الذي يمر إلى وجدان الطفل.
وبالتالي فالسلطة الأخلاقية هي الطابع الذي يميز المربي. ولهذا يرى دوركايم أن حرية الأفراد، إذا توفرت لديهم، فإنها تساهم في تدميرهم. ولذلك يشدد على ضرورة المراقبة الاجتماعية للأفراد، حتى يتمكنوا من تحقيق تفتحهم ونموهم عن طريق الاندماج ضمن بيئة اجتماعية تتفوق وتعلو عليهم.

II- البيداغوجيا
البيداغوجيا، طبيعتها وأساليبها: 
يشدد دوركايم على أنه يجب التفريق بين التربية والبيداغوجيا. فالتربية يعتبرها كفعل شامل، عام ومستمر، يكون تأثيرها على الفرد من طرف الآباء أو المعلم في كل لحظة من لحظات الحياة الاجتماعية. ولا ينحصر هذا التأثير التربوي في اللحظات القصيرة التي يتواصل فيها الآباء والمعلمون بالأجيال الصاعدة تواصلا واعيا وبواسطة تعليم بالمعنى الحقيقي للكلمة، أو بنقل تجربتهم لهذه الأجيال. بينما هناك تربية غير واعية يمكن أن تتم بواسطة تكييف نفوس الأطفال بصورة مستمرة بواسطة المثال والنموذج وبواسطة الحديث الذي يتلفظ به الآباء والمربون وبواسطة الأفعال التي ينجزونها.
أما البيداغوجيا، فيرى دوركايم، أنها لا تتعلق بالأفعال والتأثيرات، بل بالنظريات، وهذه النظريات هي أشكال تصور التربية وليس طرائق تطبيقها وممارستها، فالتربية ما هي إلا مادة البيداغوجيا، بينما هذه الأخيرة تهتم بالتفكير في أشياء التربية، الشيء الذي جعلها متقطعة عبر الزمن على خلاف التربية ، بحيث يشير إلى أنها ظهورها كان في عصر متقدم نسبيا في التاريخ (في عصر أفلاطون وأرسطو)، ثم في مجتمعات مسيحية في القرن السادس عشر لتختفي في القرن الموالي، ثم تعود من جديد في القرن الثامن عشر، وهذا راجع، في نظره، إلى أن الإنسان كان لا يفكر دائما إلا إذا كان واجبا عليه أن يفكر، وأن شروط التفكير كانت غير متاحة. ومن هنا يتساءل قائلا "يجب البحث عن خصائص التفكير البيداغوجي ونتائجه. وهل توجد مذاهب علمية تسمح لنا أن نقول أن البيداغوجيا علم، علم التربية؟ أو نعطيها اسما آخرا، وما هو؟" . 
أ‌- طبيعة البيداغوجيا:
يرى دوركايم أن أشياء التربية، تعتبر، من وجهة نظر، قادرة أن تكون موضوع مادة تُقدم جميع خصائص المواد العلمية الأخرى، ولقد حدد خصائص المواد العلمية كما يلي: 1- يجب أن تهتم بالأحداث الواقعة والقابلة للملاحظة، لأن العلم يُعرَّف بموضوع موجود حقيقة. 2-يجب أن تشكل هذه الأحداث تجانسا كافيا بينها من أجل تصنيفها في نفس الفئة، 3- هذه الأحداث يدرسها العلم فقط لمعرفتها ولتحديد القوانين التي تفسرها. وهكذا يرى دوركايم أن التربية موضوع يرضي هذه الشروط، باعتبار أنها على شكل مجموعة من الممارسات والأعراف التي تكوّن أحداثا شبيهة بالأحداث الاجتماعية الأخرى، كما أن هذه الأحداث ليست معزولة عن بعضها البعض، بل متصلة فيما بينها داخل نسق واحد الذي هو النظام التربوي، والإنسان يعيش في هذه الممارسات والأعراف لتكييفه مع وسط عيشه. وبالتالي، هذه الأحداث، هي من نفس النوع وتنتمي لنفس الفئة المنطقية. إذن يمكنها أن تكون موضوع علم وحيد، هو علم التربية. 
إن النظريات البيداغوجية حسب دوركايم، لا تتبع نفس الهدف، ولا تستعمل نفس الطرائق، فهي لا تهتم بما كان أو بما سيكون، بل تهتم بما يجب أن يكون، فهي إذن موجهة نحو المستقبل لتحدد مبادئ سلوك الأفراد وما يجب أن يفعلوه، حيث يقول "إن النظريات التي سميناها البيداغوجيا... لا تقول لنا: هذا ما كان، وما هو السبب، ولكن هذا ما يجب فعله". كما يضيف أن البيداغوجيا ليست هي التربية وليس دورها بديلا عن ممارسة التربية، بل هو توجيهها، تنويرها، مساعدتها إذا اقتضى الأمر لسد الثغرات الناتجة، ومعالجة أوجه القصور المستخلصة. ولهذا نرى أن البيداغوجيا ليست هي علم التربية. ومن زاوية أخرى يتساءل دوركايم هل يمكن أن نقول أن البيداغوجيا فن؟ يجيب أن الفن ليس هو نتاج العلم، بل نتاج تجارب تقليدية لها علاقة بالتربية، كما أن الفن يهتم فقط بما هو عملي خالص دون ما هو نظري. أما البيداغوجيا فهي مجموعة من النظريات.
إن بين العلم والفن اللذان عرفهما دوركايم، يرى أن هناك مكان لتفكير وسيط، الذي أطلق عليه اسم النظريات العملية، يهتم بالطرائق المستعملة لتقدير ما ينبغي أن يكون. ويرى أن البيداغوجيا من هذا الصنف، بحيث لا تهتم بدراسة الأنظمة التربوية، بل تقوم بالتفكير في كيفية توفير الأفكار التي توجه عمل المربي.
إن النظريات العملية، يقول دوركايم، تكون ممكنة ومشروعة عندما ترتكز على علم مؤسس، وهي عبارة عن تطبيق له. أي أن كل ما هو عملي هو نتيجة لمفاهيم نظرية لها قيمة علمية. ولهذا يتساءل ما هي العلوم التي ترتكز عليها البيداغوجيا؟
ب‌- مرتكزات البيداغوجيا:
يستهل دوركايم لحل هذه الإشكالية بعلم التربية، لأن البيداغوجيا تتعلق بشروط التربية، وقوانينها المتطورة عبر الزمن، ولكنه يجد أن علم التربية لا يمكن أن يتواجد إلا على شكل مشروع. لذا يرى، من جهة، أن الفروع الأخرى للسوسيولوجيا هي التي يمكنها أن تساعد البيداغوجيا لتحديد هدف التعليم مع التوجه العام للأساليب. ومن جهة أخرى استعمال السيكولوجيا من طرف المدرسين لتحديد طرائق البيداغوجيا. ولكنه يجد أن السوسيولوجيا والسيكولوجيا يمكن أن تعكس خلاصات عملية تعتمد على معطيات علمية، ولكنها غير مؤكدة وغير كاملة. ولهذا يقول إن الحكمة والمنهجية في الانتظار ، حتى تتمكن العلوم من تحقيق مزيد من التطور لاستخدامها بثقة أكثر. وهنا يجد دوركايم نفسه داخل مشكل، بحيث يعد نفسه غير حر في تجميد البحث عن الحل وتركه إلى أجل غير مسمى، كما أن النظام التعليمي التقليدي، الذي يشهده العصر، غير منسجم مع أفكار ومتطلبات المجتمع. وهكذا يرى أنه لا سبيل عن اختيار أحد الطرفين: إما محاولة رد الاعتبار للممارسات الموروثة عن الماضي، رغم أنها لا تستجيب لمتطلبات الوضع، وإما البحث عن ماهية التعديلات اللازمة. الأول يرى أنه مستحيل ولا يمكن أن ينجح، لذا يبقى السبيل الوحيد هو البحث عن التغييرات اللازمة وتحقيقها.
ومن هنا يقول دوركايم، بأنه لم يتوفر على جميع العناصر اللازمة لحل الإشكالية، ولكنه يرى من واجبه الاستمرار، وعلى الأقل تقليص نسبة الخطأ، وذلك عن طريق تجميع أقصى ما يمكن من الحقائق والأحداث ثم تفسيرها جيدا، واستخدام ما أمكن من علوم ووعي. وهذا هو دور البيداغوجيا. والتي تعتبر في نظره، لا غنى عنها وباستمرار في هذا العصر.
إن الشخصية الفردية، لدى دوركايم، تعتبر عنصرا أساسيا للثقافة الفكرية والأخلاقية للإنسان، فالمربي من واجبه أخذ بعين الاعتبار الخصائص الفردية لكل طفل وتنميتها، وذلك عن طريق الوسائل المتاحة، مع تنويع الأساليب وفقا لمزاج ومنعطف كل ذكاء. بدلا من تطبيق طريقة واحدة وثابتة وموحدة على الجميع وبشكل ميكانيكي وتجريبي. ولتمكين المربي من استيعاب وبحكمة هذه الممارسات التربوية مع خصوصيات كل فرد، يجب معرفة ما هي ميولات كل طفل؟ وما هي الطرائق الممكن استعمالها؟ وهذه الأسئلة سماها التفكير البيداغوجي.
إن تطور المجتمع أصبح، في نظر دوركايم، أسرع وكل عصر لا يشبه الذي قبله، بحيث أصبح كل مجتمع في حاجة لضروريات وأفكار جديدة والتي تظهر باستمرار، وللاستجابة مع هذه التغيرات يجب أن يتغير التعليم أيضا، وأن يبقى في حالة الطواعية التي تسمح بالتغيير. وذلك بواسطة التفكير البيداغوجي، بحيث يصبح المربي يرد الاعتبار للأساليب التي يستعملها، ولأهدافها وغاياتها، كما يصبح قادرا على تغيير هذه الأساليب إذا تغيرت الأهداف. بحيث يقول دوركايم " التفكير هو القوة المعارضة للروتين، والروتين هو حاجز التقدم اللازم" . ولهذا السبب كانت البيداغوجيا، في نظره، تظهر بشكل متقطع في العصور قبله، ويشدد على أن تبقى وظيفتها مستمرة.
خلاصة، يمكننا القول أن دوركايم، يرى أن النظام التعليمي يشهد تغيرات ملحوظة، وذلك بواسطة تغير الشخصيات الفردية التي تنتجها نفس الكثلة المجتمعية، وتنويع العقول، وتسارع التاريخ. والتفكير البيداغوجي هو الوسيلة التي تواجه هذه التغيرات.
ج‌- خصائص التفكير البيداغوجي:
لكي يتمكن التفكير البيداغوجي من إنتاج آثارا صالحة، يجب أن يخضع للثقافة المناسبة. ولهذا لا يمكن للبيداغوجيا بناء نظام تربوي إن لم يكن موجودا من قبل، ولكنها تُمكِّن من فهم ومعرفة هذا النظام في وقته. ولكن لفهمه لا تكفي معرفته كما هو في اليوم، لأنه هو نتاج التاريخ، والتاريخ هو الوحيد الذي يمكن أن يشرحه. وهذا من جهة، ومن جهة أخرى أن النظام التربوي لا يعمل فقط على الممارسات والطرائق الموروثة عن الماضي، بل يعمل أيضا على التوجهات والتصورات المستقبلية، وهذه التصورات ينبغي معرفتها جيدا لتحديد موقعها في التعليم. ولهذا فالثقافة البيداغوجية يجب أن تخضع لأساس تاريخي بحيث يقول دوركايم "لا يمكن للمستقبل أن ينشأ من العدم: لا يمكننا بناؤه إلا بواسطة المواد التي ورثناها عن الماضي... كما أن وجود الماضي له غايات، ولا يمكنه الاستمرار لو لم يستجب لضروريات مشروعة التي لا يمكنها الاختفاء التام بين اليوم والغد". 
إن تاريخ التعليم والبيداغوجيا، في نظر دوركايم، هو الوحيد الذي يمكنه تحديد الغايات التي ينبغي أن تتبعها التربية عند كل لحظة من الزمن. ولكن، بالنسبة لمن يرى الوسائل اللازمة لتحقيق هذه الغايات، هو للسيكولوجيا الذي يجب عليه طلبها". ويضيف قائلا "فالبيداغوجيا المثالية، بالنسبة لعصر ما، تعبر أولا عن حالة المجتمع خلال هذا العصر. ولكن، كي تتحول هذه المثالية إلى حقيقة، يجب أيضا أن تتمثل لوعي الطفل ". وللوعي قوانين خاصة، والتي يجب معرفتها وذلك من أجل القدرة على تعديلها، كما أن توجيه أنشطة الطفل يتطلب معرفة الينابيع المتحركة وطبيعتها. لذلك فالسيكولوجيا هو علم يساعد المربي على معرفة عقول وخصائص الأطفال. وهنا يشير دوركايم إلى شكل خاص للسيكولوجيا التي تهم المعلم هي "السيكولوجيا الجماعية"، لأن الفصل المدرسي، في نظره، هو مجتمع صغير ، وفيه الأطفال يفكرون ويحسون ويتصرفون بشكل غير معزول.
ومن هذا المنطق يمكننا القول أن دوركايم يرى بأن المؤسسة التعليمية تقوم على وظيفتي الحفاظية والمحافظة، والتشديد على جدلية الماضي والحاضر.بمعنى أن المدرسة وسيلة للتطبيع، وإعادة إدماج الفرد داخل المجتمع. أي أنها تقوم بتكييف الفرد، وجعله قادرا على الاندماج في حضن المجتمع. إذن وظيفتها هي المحافظة والتطبيع، ونقل القيم من جيل إلى آخر عبر المؤسسة التعليمية. ويعني هذا أن المدرسة وسيلة للمحافظة على الإرث اللغوي والديني والثقافي والحضاري، ووسيلة لتحقيق الانسجام، والتكيف مع المجتمع، أي تحويل كائن غير اجتماعي إلى إنسان اجتماعي، يشارك في بناء العادات نفسها التي توجد لدى المجتمع. 
البيداغوجيا والسوسيولوجيا:
لقد حاول دوركايم تعريف البيداغوجيا بإشارته إلى أنها "نظرية عملية" موضوعها التفكير في أنساق التربية وطرائقها بغية تقدير قيمتها، وبالتالي إفادة عمل المربين وتوجيهه. وعلى هذا الأساس، وضع مسلمة لكل تخمين بيداغوجي، تجعل من التربية شيئا اجتماعيا بأصولها ووظائفها. وبالتالي فالتربية تتعلق بشكل وثيق بالسوسيولوجيا. ومن جانب آخر يرى أن البيداغوجيا هي النتيجة المباشرة والفورية للسيكولوجيا، على خلاف المنظرين الذين سبقوه (كانط، روسو، هيربرت،) يعتبرون أن هدف التربية هو تحقيق السمات المكونة للإنسان مهما كانت الشروط التاريخية والاجتماعية، ولهذا جاء قوله " قَبِلنا بوجود طبيعة إنسانية، محدَّدة من حيث الشكل والخصائص، والمشكل البيداغوجي يتعين عليه البحث عن طريقة التأثير التربوي الممارس على هذه الطبيعة الإنسانية" وهكذا يعتبر أن الإنسان لا يتكون إلا بالتدريج، عبر صيرورة بطيئة والتي تبتدئ من ولادته وتستكمل عند نضجه، ويعتبر أن هذه الصيرورة تقوم بتحيين الطاقات الكامنة في التنظيم المادي والمعنوي للطفل. وبالتالي فالمربي لا يضيف جديدا للطبيعة الإنسانية، دوره يتجلى فقط في توجيه الطفل وتنشيط قدراته. ومن هنا فالبيداغوجيا لا تتعلق بالظروف الزمانية أو المكانية، أو حالة المجتمع. إن الفرد، في نظر دوركايم، يملك كل القدرات التي تمكنه من تنمية نفسه، ويضيف قائلا:"بما أن الفرد هو الذي يحمل بذور تنميته، فهو الوحيد الذي يجب عليه ملاحظة متى يتعهد علينا تحديد اتجاه وكيف ينبغي توجيه هذه التنمية. والمهم هو معرفة ما هي كلياته وما هي طبيعتها" ، ولهذا فالسيكولوجيا تعتبر كعلم يلبي حاجيات المتخصص في البيداغوجيا.
أ‌- البيداغوجيا تستمد مفهومها من السوسيولوجيا:
إن دوركايم يرى تصوره حول التربية متناقضا، من حيث الشكل، مع كل ما علمه إياه التاريخ، بحيث لم يجد له تطبيقا في المجتمعات التي سبقته، فالتربية كانت موحدة صالحة لجميع أجناس البشر وفي جميع أنحاء العالم، ولهذا لا يمكننا القول أنه كانت تتواجد أنظمة بيداغوجية مختلفة، تتعايش وتشتغل في نفس الوقت. ولهذا يشدد دوركايم على أن تربية الأبناء لا يجب أن تكون عشوائية، كما أن تعدد الأفكار المهنية لا يجب تركه لينتج تعددية بيداغوجية كبيرة، وهكذا كل مهنة تكوِّن وسطا فريدا يتطلب قدرات ومعارف خاصة، وتسود فيه أفكار، واستعمالات، وطرائق النظر في الأشياء، وبما أن الطفل يُهيأ على ضوء الوظيفة التي سينجزها، فإن التعليم، انطلاقا من سن معين، لا يمكن أن يبقى نفسه بالنسبة لجميع المجالات. 
إن أنواع التعليم غير منظمة باعتبار الغايات الفردية، كما أن الإنسان غير مقدر بمزاجه الفكري لينجز وظيفة جد محددة، بل يمكنه ممارسة أعمال متعددة، لأن المجتمع في حاجة إلى تقسيم العمل بين الأفراد وبطريقة مناسبة. ولهذا فالمجتمع يعد نفسه بنفسه عن طريق التربية والتعليم. وبالرغم من اختلاف وتنويع التعليم، يرى دوركايم، أنه توجد قاعدة مشتركة بين جميع الأنواع، حيث توجد مجموعة من الأفكار، والممارسات والأحاسيس والتي من دور التربية غرسها في الأطفال دون تمييز وبحسب المجتمعات التي ينتمون إليها.
يشير دوركايم إلى واقع الأنظمة التعليمية التي عرفها التاريخ قبله قائلا " إنها كانت مرتبطة بالأنظمة الاجتماعية والتي لا يمكن فصلها عنها... فالرومان كان له تعليم مشترك بين جميع الرومانيين، وكانت ميزته أنه تعليم يهم روما كلها في نفس الوقت، وما نقوله عن الرومان يمكن أن يتكرر لجميع المجتمعات التاريخية" وعليه فإنه يرى أن كل نوع من أنواع الشعوب كان له نظام تربوي يميزه، على غرار النظام الأخلاقي والسياسي والديني، ويعتبره عنصرا من فراسته. فالتربية كانت تختلف بحسب الزمان والمكان، وهذا ما أصبح غير مقبول عند دوركايم، بحيث يقول " ما كان في الماضي نرفضه في الحاضر ، وكذلك في المستقبل. فالعالم يعرف أن تربية الرومان والإغريق موضوعها هو رومانيون وإغريقيون متضامنون حول مجموعة من المؤسسات السياسية، الأخلاقية، الاقتصادية والدينية. وما يجب أن نعتقده نحن هو أن تربيتنا عصرية تلغي القانون المشترك " ولهذا يشدد على أن التعليم يجب أن يتحرر من القيود المشتركة وأن يتخلص من الخصائص القبلية والعرقية، و أن الاهتمام يجب أن يركز على جعل الطفل إنسانا قبل أن يكون مواطنا. فالأفراد، في نظره، مختلفون عن بعضهم البعض ولا شيء مشترك بينهم سوى طبيعتهم كبشر بصفة عامة. فالتعليم هو الذي يمكّن من الحفاظ على التجانس الضروري بين أفراد المجتمع. ولهذا فتصور دوركايم للإنسان يتغير بحسب المجتمعات، ليس هو كما خلقته الطبيعة، بل ذلك الإنسان الذي يريده المجتمع وتتطلبه حاجياته الداخلية. وعلى هذا الأساس فإن البيداغوجيا لدى دوركايم، هي موضوع المجتمع، لأنه هذا الأخير هو الذي يرسم صورة كيانه، وهذه الصورة هي التي تعكس ملامح تنظيم المجتمع. 
ب‌- السيكولوجيا مورد غير كاف للبيداغوجيا:
يُعتبر التعليم في نظر دوركايم الأداة التي يتجدد من خلالها المجتمع وفق حاجياته، وأن استمرار المجتمع رهين بدرجة التجانس بين مختلف أفراده. ومن هنا يظهر الدور الكبير للتربية هو تكوين الكائن الاجتماعي في الفرد، لأن الإنسان لم يخلق وبداخله جميع القيم المجتمعية كاحترام الانضباط الأخلاقي والتضحية وغيرهما، ولكن المجتمع هو الذي يكسبه قوى أخلاقية تجعله يقبل هذه القيم، من أجل إعطاء قيمة وكرامة للحياة. على عكس الحيوانات التي تتدرب بدون وعي وتستعمل غرائزها للقيام بالوظائف الطبيعية. فالطفل يُخلق كفرد أناني غير اجتماعي ليضاف إلى آخر اجتماعي قادر على أن يمنحه حياة اجتماعية وأخلاقية، وهذا هو موضوع التربية والذي لا ينحصر في تنمية القدرات الفردية الطبيعية فحسب، بل يخلق في الفرد الكائن الذي يفيد المجتمع ويضحي من أجله. فالتربية هي الوسيلة الوحيدة القادرة على نقل هذا الكائن من جيل لآخر لتوصله إلى درجة من الكمال، على عكس الكائن الفردي الذي يمكن أن ينتقل بالتوارث.
ومن هنا يشير دوركايم أن السيكولوجيا تعتبر موردا غير كافي للبيداغوجيا، لأن المجتمع هو الذي يرسم للفرد المثال الذي يجب تحقيقه بالتربية، فالطبيعة الفردية لا تحتوي على ميولات محددة وعلى حالات معرفة التي يمكن أن توصل بالفرد إلى هذا المثال. وبالتالي فالسيكولوجيا لا تدل المربي على الهدف الذي ينبغي تتبعه، وإنما السوسيولوجيا هو العلم الوحيد الذي يمكن مساعدته على فهم واكتشاف هذا الهدف وربطه بالحالات الاجتماعية التي ينتمي إليها الفرد.
ج‌- البيداغوجيا تستمد مفهومها من السوسيولوجيا ومن السيكولوجيا:
يتساءل دوركايم قائلا: " ولكن، إذا كان دور السوسيولوجيا هو تحديد المرامي التي ينبغي أن تتبعها التربية، هل اختيار الوسائل المستعملة يحتل نفس الأهمية؟" وهنا يرى أن السيكولوجيا تتدخل هي الأخرى لتأخذ هذا الحق. فإذا كانت البيداغوجيا تعبر عن ضروريات اجتماعية، فإنها لا تتحقق إلا بالأفراد، وبالتالي يجب إيجاد الوسيلة التي تجعل وعي الطفل يتناسب وهذه الضروريات. وبما أن الوعي له قوانينه الخاصة، فإنه يجب معرفتها لتعديلها، ولتوجيه أنشطة الطفل في اتجاه معين، يجب معرفة الينابيع التي تتحرك وطبيعتها، كما يجب توجيه فكر الطفل في اتجاه أو في آخر عند تعليمه مفاهيم تامة ومدققة حول الظواهر والشروط المرتبطة بها، والشكل الذي يجب أن يتمثل له. وهنا يتضح دور السيكولوجيا، وخاصة سيكولوجية الطفل، الذي يتدخل كعلم لحل هذه الإشكاليات، وللتعامل مع أنواع الذكاء والخصائص المتعلقة بالأطفال.
إن الحياة المجتمعية هي، في نظر دوركايم، امتداد للحياة المدرسية وتطوير واستمرار لها، ولهذا فمن غير المعقول أن تكون الطرائق التي تشتغل بها هذه مختلفة عن طرائق الأخرى، وبالتالي فالسوسيولوجيا والعلوم الاجتماعية تساعد على فهم ماهية المؤسسات البيداغوجية، ويضيف قائلا "فكلما عرفنا المجتمع جيدا، كلما فهمنا جيدا ما يجب أن يكون في العالم المجتمعي الصغير الذي هو المدرسة" . ولكنه حينما يرى من زاوية تحديد الطرائق المناسبة يجد أن معطيات السيكولوجيا هي المزود بالعناصر اللازمة لبناء تقنية نموذجُها في المجتمع.
إن حالات المجتمع لا تتعلق بتأثير التعليم فقط، فهي تتعلق أيضا بتصور الطرائق لأن طبيعة الهدف يستلزم طبيعة الوسائل، كما أن كل تحول في البنية المجتمعية يفرض تحولا في نظام الطرائق التربوية، وهكذا يقتنع دوركايم أن التربية تتمثل بطابع يستجيب لحاجيات المجتمع عبر الغايات التي تتبعها والوسائل التي تشتغل بها، إنها تعبر عن الأفكار والأحاسيس الجماعية، وبها يحقق الفرد ربحه داخل المجتمع. وفي البيداغوجيا تجد مبادئ التفكير، وبواسطة السيكولوجيا يمكنها تحديد الطريقة الأنجع للتأثير على الطفل. السوسيولوجيا وعلى عكس ما كان يعتقده المفكرون قبل دوركايم، فهي بالنسبة له محدد الأفكار التربوية وأساس كل فعل تربوي.
خلاصة
إذا كانت التربية عند دوركايم كما رأينا هي بمثابة نشاط أو فعل يمارسه الراشدون على الأطفال أو الشبان، فإنه لا سبيل إلى مقارنتها بتأثير الأشياء الطبيعية على الأشخاص كما يحلو للفلاسفة أن يتحدثوا عنه، لأن غاية التربية لا تمثل في التنمية المتناغمة لكل الملكات الإنسانية، فحتى وإن كانت ضرورية ومتوخاة فإنها غير قابلة للتحقيق، بل إن غاية التربية اجتماعية في أساسها ولها صلة قوية بالتماسك الاجتماعي.فالتربية عنده مؤسسة اجتماعية عاملة من أجل تحقيق الاتفاق الاجتماعي ومن أجل التكامل الاجتماعي، وذلك من خلال تنشئة الأطفال على السجايا والشمائل الشخصية وأنماط السلوك المقبولة من لدن الجماعة التي ينتسبون إليها، وذلك أن المجتمع لا يستطيع البقاء إلا إذا تحققت بين أعضائه درجة كافية من التناظر والتجانس، والتربية هي التي تخلد هذا التجانس وتعززه عن طريق التشابهات الجوهرية التي تتطلبها الحياة الجماعية، من الأطفال منذ البداية.
حسب تصور دوركايم، فإن المدرسة مؤسسة محافظة دورها تابع للمجتمع ووظيفتها الأساسية تكييف الجيل الناشئ وفق التصورات المتفق بشأنها أو حتى المفروضة سلطويا. ويقر دوركايم بضرورة أن تتوافق التربية تماما مع تقسيمات المجتمع إلى طبقات، والإقرار بهذا الأمر كواقع ينبغي التعايش معه، وأن تتجاوب التربية لطبيعته. وبما أن المربي هو ممثل المجتمع وأنه يعمل باسم الدولة، فإنه يأخذ بصورة مشروعة، في رأس دوركايم، وضعا سلطويا تجاه الأطفال.
إن مفهوم علم التربية، عند دوركايم، يبدو واضحا والذي يتجلى دوره في معرفة وفهم ما هو موجود، وهذا المفهوم لا يمكن دمجه مع أنشطة المربي، ومع البيداغوجيا التي توجه هذه الأنشطة. فهو يعد البيداغوجيا بأنها نظرية تصور للتربية تستمدُّ مفاهيمَها من عِلْمِ النَّفس وعلم الاجتماع، بحيث يرى أن علم النفس هو الوحيد الذي يمكن من الإجابة على الأسئلة: لماذا يحتاج الطفل إلى التربية، ما الذي يميزه عن المراهق؟ كيف يتكون ويتطور فكره، ذاكرته، خياله، إحساسه، وإرادته؟ أما علم الاجتماع هو الذي يمكن من جعل الفرد اجتماعيا، وخلق التجانس بين الأفراد، لأن المجتمع، في نظره، هو امتداد للمدرسة.
ويرى الكثيرين من المنتقدين لهذه النظرية بأنها تقف خلفها أهداف مضمرة مضمونها يتنافى مع قواعد اللعب الديمقراطي المبنية أساسا على الحرية والمساواة والمهام التنموية ومتطلبات الشعوب العادلة والمشروعة، يهدف إلى ثبات وديمومة الوضع السائد، ومحاباة النخب الحاكمة و الصفوة.
المصدر: صفحة الأستاذ الحسن اللحية
موقع الأستاذ

موقع تربوي مستقل يهتم بجديد التربية والتعليم بالمغرب

للتواصل معنا يرجي زيارة صفحة تواصل معنا: موقع الأستاذ

التربية و البيداغوجيا Reviewed by موقع الأستاذ on 7:18 م Rating: 5 التربية و البيداغوجيا خالد حمدان و عبداللطيف معتصم باشراف: الحسن اللحية حياته وتأثراته:  ...

ليست هناك تعليقات:

جميع الردود تعبّر عن رأي كاتبيها فقط.