معركتنا البيداغوجية - موقع الأستاذ

728x90 AdSpace

آخر المستجدات
الأحد، 5 يوليو، 2015

معركتنا البيداغوجية

معركتنا البيداغوجية:
معركتنا البيداغوجية
الحسن اللحية 
في نقد بيداغوجيا الفقراء
مدخل:
في بيداغوجيا الفقراء !

"بيداغوجيا" (الإدماج) أو بيداغوجيا الفقراء، ليس هذا الأمر تشهيرا ولا عنوانا بارزا في جريدة . إنه الواقع الذي ينبغي تقبله من طرف المتخلفين اقتصاديا وسياسيا وثقافيا وتربويا وبيداغوجيا...، من طرفنا نحن الفقراء المتخلفين لسببين إثنين؛ أولهما يتعلق باللماذا، والثاني يجعل الاختيار- اختيار هذه البيداغوجيا- أمرا واقعا رغم مما تراكم لدينا من ثقافة الإشراك والتوريط والتعاقد الذي يشير إليه الميثاق الوطني للتربية والتكوين الذي سعى لجعل المدرس قضية الجميع، وبالتالي فإن كل اختيار استراتيجي كالاختيارات البيداغوجية هو قضية الجميع كذلك.
يرى اغزافيي رويجرس أن المقاربة بالكفايات المبنية على تنمية الكفايات المستعرضة في المدرسة تتوجه لتلاميذ ليست لهم مشاكل مع المكتسبات الأساس. وهذه المقاربة غنية وطموحة تحتاج إلى مدرسين مكونين تكوينا جيدا. كما تتطلب تجهيزات وشروط مناسبة؛ ولذلك فإن هذه المقاربة تصلح للدول الغنية. في حين أن الدول الفقيرة لا يمكن أن تنجح فيها هذه المقاربة إلا إذا اقتصرت على تنمية الكفايات الأساس أو كما تسمى اليوم "بيداغوجيا" الإدماج التي تمكن التلميذ من الاندماج في النسيج السوسيو-اقتصادي، وحيث لا يحصل ذلك إلا بتدخل من منظمات دولية مثل Unesco, Unicef, Oif وغيرها من المنظمات الدولية غير الحكومية ONG. والغاية هي الرفع من مستوى القراءة في هذه الدول .
ما هذه الكفايات الأساس التي لا تصلح إلا للدول الفقيرة وجوبا؟ يجيب غزافيي رويجرس قائلا هي أن يستطيع طفل ذي الثماني سنوات إنتاج نص مكتوب من ثلاث جمل في وضعية تواصلية دالة أو حل وضعية مشكلة تستدعي العمليات الأربع الأساسية حول الأعداد من 0 إلى 1000 . فهذه الكفايات تسمى كفايات أساس لأنه على التلميذ أن يتحكم فيها قبل المرور إلى المستوى الموالي . 
إذا تأملنا هذا التصور مليا سنلاحظ ما يلي:
أولا: يلاحظ أن هذا المقال يشكل نشازا في تصورات اغزافيي للكفايات المستعرضة والكفايات الأساس معا. ففي معظم أعماله نجده ينطلق في نقده للكفايات المستعرضة نقدا مقبولا من وجهة نظر تقويمية أو على الأقل يمكن تفهم منطلقه النقدي للكفايات المستعرضة مهما كانت الخلفيات النظرية والعملية ؛ فهي قدرات وليست كفايات على حد قوله، وهي لا تنمى إلا على مدى زمني طويل مما يزيد من صعوبة تقويمها... والحال أن هذا النقد الذي يحاول إقناع البيداغوجين بأهميته ينتفي في هذه المقالة ليصبح التمييز بين الكفايات المستعرضة والكفايات الأساس تمييزا لا تربويا ولا بيداغوجيا أو لنقل بوضوح تام إنه نقد إيديولوجي واضح يصدر عن رؤية مسبقة تفاضل بين الشعوب والأعراق ويقيم البون بينها؛ فنصبح بفضل هذا التمييز الأعمى أمام تصورات كولونيالية جديدة تكثف مجمل ما قيل حول الآخر البدائي المتوحش(النزعة الأوربية أو التمركز الأوربي). 
سنكون،إذن، حسب هذا الموقف المسبق أمام وظيفة ما للمدرسة في العالم المتقدم تختلف عنها في العالم الفقير المتخلف؛ هناك حيث البنيات والتجهيزات...إلخ يمكن تنمية الكفايات المستعرضة على الرغم من أنها غير قابلة للتقويم في نظر اغزافيي كما يرى ذلك في معظم مؤلفاته، وهنا تتمثل وظيفة المدرسة في محو الأمية أو الاكتفاء بتنمية الكفايات الأساس بدعم من المنظمات الدولية الممولة.
إن الأهم بالنسبة لاغزافيي، الأهم بالنسبة للدول الفقيرة كالمغرب -الذي تبنى هذا النموذج البيداغوجي- حسب هذا التصور، هو القراءة والكتابة والحساب la lecture, l’écriture, le calcul، والغاية هي الاندماج في النسيج الاقتصادي؛ وذلك هو الأساس والأساسي بالنسبة للجميع: التربية للجميع كتصور ضيق تقتصر عليه هذه البيداغوجيا بالمقارنة مع تصورات المنظمات الدولية غير الحكومية.
قلنا سنكون أمام مدرسة تعلم القراءة والكتابة والحساب، أمام مدرسة لمحو الأمية، مدرسة لا تقيم الفصل بين محو الأمية والتعليم النظامي ، مدرسة لا يهمها المواطن ولا تهمها الشخصية والقيم والمواطنة كما لو كانت مدرسة معزولة ومحايدة لأنها تقدم المعرفة المدرسية واضحة دقيقة غير ملونة، مفصولة عن كل تدخل سياسي أو اقتصادي أو ثقافي ...، منفلتة من كل إرادة ؛ فهي للجميع وفوق الجميع بنفس درجة الحياد. وسيغدو المدرس آلة للحياد بامتياز لأن دوره هو تمرير المعرفة المدرسية بكل حيادية، تمرير الوضعيات المشكلات بكل حياد.
إذن، فالصورة المثلى المراهن عليها هنا بيداغوجيا تتمثل في إكساب (أو اكتساب) المتعلمين- الأطفال (المفصولين اجتماعيا وثقافيا واقتصاديا...عن محيطهم) مكتسبات مدرسية في سياقات متنوعة غير مهمة بالنسبة لهذه البيداغوجيا من منظور سوسيوثقافي وسوسيوبنائي كثيف، لأن المهم هو وضع جميع الأطفال في وضعيات إدماج للمكتسبات "الجاهزة والمصطنعة الموضوعة تحت اسم وضعيات الإدماج أو دفاتر الوضعيات" وإن كانت أعلى مستوى وتركيبا من لحظات الاكتساب الأولى: وضعيات الإدماج سواء أكانت معقدة أو متكافئة التعقيد .
ما يمكن ملاحظته على هذا التصور الذي يقول عن نفسه بأنه تصور سوسيوبنائي أنه تصور سوسيوبنائي مغلوط أو مقلوب ومحتاط لأنه لا يستلهم الأسس والآفاق الفكريتين الأساسيتين الكبرى للسوسيوبنائية إلا في إطار دوغمائي نفعي واستثماري، يرتبط بخصائص الوضعية المشكلة دون أن يدفع بها إلى حدودها القصوى؛ وذلك ما أشار إليه مشيل دوفلاي بكثير من الذكاء في تقديمه لكتاب وضعيات من أجل إدماج المكتسبات المدرسية لاعزافيي رويجرس. 
ولكي نتبين حدود هذه السوسيوبنائية المزعومة والظاهرية سنعيد قول دوفلاي الذي رأى بأن الوضعيات هي وضعيات متنوعة ومتعددة لا يمكن اختزالها في وضعيات الإدماج كوضعيات وحيدة لإدماج المكتسبات أو بتعبير آخر فإن الوضعيات هي وضعيات لا نهائية . 
يحيلنا الغنى اللانهائي للوضعيات على مهمة التربية في المنظور السوسيوبنائي التي يجب أن تكون نسقية واصطناعية تنطلق من فرضيات أساسية منها الفرضية القائلة باجتماعية الإنسان والتفاعل الاجتماعي، وهو ما تترتب عنه بعض النتائج الكبرى والحاسمة في السوسيوبنائية كالقول بالاجتماعية الأولية أو الجينية للطفل أو أن اجتماعية الطفل هي نقطة انطلاق تفاعلاته الاجتماعية مع من يحيطون به. ولعل هذه النتيجة تحدد دورا ما للمدرس أو الراشد في تربيته للطفل بمنآى عن الحياد وتمرير الوضعيات. وتتجلى في كون الكبار عامة والمدرس واحد منهم، واحد من محيط الطفل، يصبح أداة- محيطا-وسطا-مصدرا- مطية- تجعل الأطفال ينخرطون في أنشطتهم، في تعلم الحياة وتعلم التعلم وتنمية الذكاءات والأهواء والأحاسيس...، وهو ما لا نجده في تصور اغزافيي رويجريس. يقول، موضحا، وهو يرد على بعض الانتقادات الموجة إليه التي تتقاطع في بعض الوجوه مع ما ذهبنا إليه:
" عن نفعية المقاربة بالكفايات:
يبدو أن هذا النقد القائل بنفعية المقاربة بالكفايات مؤسس في جانب كبير منه لأن الوضعيات المقدمة للتلاميذ تتمثل وظيفتها في مساعدتهم على الاندماج في الحياة اليومية. وتفسير ذلك أن الوضعيات القريبة من الحياة اليومية المقترحة على التلاميذ لا تهيؤهم للحياة فقط، ولكن الوضعيات المقترحة هي غنية. والمستوى البيداغوجي تشكل غنى كبيرا.
ومن جانب ثان وجب التذكير أن تنمية قدرات (الكفايات المستعرضة) يختلف كل الاختلاف عن الكفايات الأساس.
يبدو أنه لا محيد عن الاشتغال بالوضعيات المعقدة بالنظر لمطلب نجاعة التعلمات والانصاف، من حيث أن هذه الوضعيات قريبة من الحياة اليومية للتلميذ لكي تحفزه وتهيئه لمواجهة وضعيات الحياة يوميا؛ ولذلك ينبغي الحديث عن النفعية الاجتماعية في هذا السياق.
تغييب الحس النقدي لدى التلاميذ:
قد لا يحدث هذا الأمر حسب الطريقة التي نحدد بها الكفايات. ووجب التذكير أن هذه المقاربة التي تقوم على الكفايات الأساس هي إطار للعمل يفضي بالتلميذ إلى حل المشاكل .
الاهتمام الزائد بالتقويم عوض بناء التعلمات:
يبدو أن لهذا النقد أساس ما في جزء منه. فالملاحظ أن المقاربة بالكفايات الأساس لا تهتم ببناء التعلمات كثيرا لأن التقويم يحتل موقعا متميزا في الممارسات داخل القسم. فالكل معني في هذه المقاربة بالتقويم من مدرسين وآباء في اتجاه الاشتغال على وضعيات معقدة، ثم جر باقي التعلمات اللحظية لتتنامى شيئا فشيئا في إطار أنشطة إدماج وتقويم ".
لبيداغوجيا الإدماج تصور عن القيم يتحدث عن الإنصاف وتكافؤ الفرص بشكل مقلوب كذلك؛ ففي نظره أن الحيادية التي ألمحنا إليها وأن تملك الكفايات الأساس من طرف الجميع هو ما يضمن هذه القيم أو هو الترجمة الفعلية لهذه القيم. ولكن أليس المجتمع المدرسي مجتمعا صغيرا (ميكرو-مجتمع) كما يقول دوركهايم، يعكس المجتمع ككل في صراعاته واحباطاته ورهاناته وثقافته...؟ ألا يتوفر التلميذ على ذكاءات متعددة كما يرى غاردنر على المدرسة أن تستفزها وتستنهضها وتنميها وترعاها عدا القراءة والكتابة والحساب؟ وماذا لو كانت المعرفة المدرسية والمدرسة بالذات مدار رهانات سياسية واقتصادية وثقافية ...بامتياز أو لنقل هي فضاء للصراع السياسي والثقافي والإيديولوجي... من مستويات متعددة ومقنعة؟ أليس ادعاء الحياد وهما كوهم العلموية والموضوعية في نظر الابستيمولوجيين ...؟ وهل المدرس ليس إنسانا-مواطنا منخرطا في قضايا وطنية ودولية وله لا شعوره الجمعي والثقافي وحاجات ورهانات (رهانات الفاعل في سوسيولوجيا التنظيمات) الواعية أو غير الواعية...؟ وماذا لو كان عقل المتعلم ليس صفحة بيضاء كما يقول اختباريو أو تجريبيو انجلترا ؟ وماذا لو كان التلميذ فاعلا واستراتيجيا شأنه شأن الفاعلين في التنظيم المدرسي وأنه غير بريء كغيره من الفاعلين الآخرين في التنظيم المدرسي؟... فما هذا الحياد المزعوم هنا؟؟؟
ثانيا: إن تركيز اغزافيي على الكفايات الأساس يجعلنا نتساءل عن قيمة مواد دراسية أخرى: أين سنضع التربية الفنية والتشكيلية والتربية الموسيقية والتربية البدنية والتربية على المواطنة والتربية الوطنية والتربية الإسلامية والتربية البيئية والصحية...؟ وما الكفايات الأساس التي ينبغي أن يتوفر عليها التلميذ في مثل هذه المواد التي لا ترتبط بشكل مباشر بالقراءة والكتابة والحساب أي بالكفايات الأساس أو التعلمات الأساس؟ وهل ستقتصر المدرسة في وجودها على القراءة والكتابة والحساب أم أنها ستكون فضاء لتعلم الحياة، حياة الراشدين بالأساس، مستحضرة المستقبل برهاناته في كثافتها؟ 
ثالثا: إذا كان النزوع التقويمي هو المدخل الفعلي لبيداغوجيا الإدماج فإن التمييز المشار إليه أعلاه بين الكفايات المستعرضة ككفايات تصلح للدول المتقدمة والكفايات الأساس ككفايات تصلح للدول الفقيرة فإنه يظل حكما لا علميا ولا معرفيا. ويتضح ذلك حينما قال بأن الدول المتقدمة ليست لها مشاكل مع الكفايات الأساس أو بلغة أخرى أن تلميذ الدول المتقدمة لا يشكو من أي نقص من جهة الكفايات الأساس على عكس تلميذ البلدان الفقيرة. فهل مثل هذه الأحكام تصدر عن أكاديمي مثل اغزافيي أم أنها انطباعات تبرر ما يقوم به في مجال جغرافي فقير أم هو تبرير للوصفات الجاهزة التي يقدمها لهذا العالم الفقير على امتداد افريقيا وغيرها؟
رابعا: تلح بيداغوجيا الإدماج - الأداة النظرية والعملية لبعض المنظمات الدولية كالفرانكفونية- على القراءة والكتابة والحساب. ونحن نتساءل هنا ما المقصود بالقراءة والكتابة والحساب؟ ما حدود القراءة مثلا في السنة الأولى من الابتدائي؟ وقس على ذلك. وهل تحديدها يكون من صلاحية بيداغوجي كاغزافيي -بمكتب دراساته- إذا ما اعتبرناه بيداغوجيا ليقول لنا ما هي حدود القراءة في هذا المستوى أو ذاك كدولة وشعب له مؤسساته وتنظيماته؟ وقس على ذلك. يقول اغزافيي رويجرس في مختصر بيداغوجيا الإدماج: 
" تتبع هذه المقاربة ثلاثة أهداف أساسية هي:
الاهتمام بما ينبغي أن يتحكم فيه التلميذ في نهاية كل سنة دراسية، وفي نهاية التعليم الإلزامي، عوض الاهتمام بما يجب أن يدرسه المدرس. سيقتصر دور المدرس حسب هذا التصور على تنظيم التعلمات بالطريقة المثلى الممكنة حتى يصل بتلاميذه إلى ما هو منتظر.
الاهتمام بإعطاء معنى للتعلمات؛ ويعني ذلك أن نبين للتلميذ فيما يصلح إليه كل ما يتعلمه في المدرسة؛ ولذلك وجب تجاوز لوائح المحتويات- المواد الدراسية الواجب حفظها عن ظهر قلب، من حيث هي معارف خالية من المعنى، مرهقة للتلميذ على الدوام ومنفرة له كي يتابع تعلمه. وعلى عكس ذلك فإن المقاربة بالكفايات تسمح له بموضعة التعلمات في وضعيات لها معنى بالنسبة إليه، واستعمال مكتسباته فيها.
وجوب الاهتمام بإشهاد مكتسبات التلميذ وفق تصور يقوم على حل وضعيات ملموسة، وليس وفق مجموع المعارف والمهارة التي يتم نسيانها دوما. وخلاصة الأمر أن المقاربة بالكفايات الأساس هي إجابة على مشاكل الأمية الوظيفية ".
إن تحديد الكفايات الأساس كالقراءة والكتابة والحساب بالنسبة لكل مستوى هو نقاش جوهري بالنسبة لكل دولة على حدة ولا يمكن بأي حال من الأحوال تعميم هذا النقاش ليصير دون معنى كما تروج له هذه البيداغوجيا أو جعل هذا النقاش مقبورا بوصفات مكاتب الدراسات. 
لنفترض جدلا أن المغرب انخرط في هذا التوجه -تنمية الكفايات الأساس- المتمثلة في القراءة والكتابة والحساب، ما هو مستوى التمكن الذي يجب أن يتوفر عليه كل تلميذ مغربي في كل مستوى دراسي على حدة؟ وكيف نميز بين النجاح أو الانتقال من مستوى دراسي إلى آخر وبين المستوى المعرفي والمهاري والسلوكي وبالجملة الكفاياتي المؤهل للحصول على شهادة نهاية سلك دراسي على سبيل المثال؟ ألا يهم هذا النقاش مصير كل دولة على حدة بدل تعميمه لإفراغه من مضمونه السياسي والاقتصادي والثقافي ... وجعله نقاشا صوريا يخلط بين محو الأمية والتعليم النظامي، بين الاختيارات الوطنية واختيارات المنظمات الدولية، اختيارات فوق دولتية عابرة للأوطان والقارات...؟
خامسا: يبدو لي أن الحديث عن الكفايات الأساس هو حديث ضبابي وذرائعي. ومن وجهة نظر تربوية وبيداغوجية هو حديث عن كفايات مستعرضة ؛ فالقراءة قراءة بدراجات من مادة إلى أخرى مثلها مثل الكتابة والحساب. وكل حديث يريد أن يحدد سقفا للتعلمات المدرسية هو حديث لا تربوي من وجهة نظر سياسية واقتصادية وثقافية وقيمية وبيداغوجية...، وببيان العبارة نقول بأن مثل هذا المنطلق الذي تصدر عنه بيداغوجيا الإدماج يبرر حالة التخلف والفقر الذي نحن عليه ويكرسه بألف لون ولون.
نريد من خلال هذا الكتاب، في جزئه الأول، المساهمة في نقاش علني حول مصير المغرب وهو يتبنى بيداغوجيا الإدماج، وهو نقاش يهمنا في جوانب كثيرة منها أنه لدينا إحساس بمواطنة مغربية ممتلئة ومطمئنة لهذا الانتماء الهوياتي المتعدد الثقافات؛ ولذلك فإن طرح خلفيات هذا الموضوع للنقاش بكل وضوح وأمام الملأ هو مساهمة مواطن في طرح مصير مواطنته ومواطنة المغاربة، كبارا وصغارا، للنقاش. فلن نقبل أن يصادر أي كان حقنا في تناول ما سنكون عليه كمواطنين لأي سبب من الأسباب. وثاني الأسباب يتمثل في ممارسة حقنا كباحثين ومساهمتنا في إماطة اللثام عن بعض القضايا التي لا يجب أن تقبل ببداهة أو كمسلمات. فقد علمتنا دروس العلوم الإنسانية والابستيمولوجيا التسلح بالحذر والمسافة. كما تعلمنا من الفلسفة الشك ولعبة المنظورات؛ ولهذه الأسباب كلها لا نتلقى دعوة الانخراط في بيداغوجيا الإدماج بارتياح أو غبطة وإنما نجد أنفسنا مرغمين على التساؤل عن ماهيتها وحدودها وخلفياتها حتى نبني معها علاقة جديدة تهمنا كمواطنين وباحثين ومدرسين. وثالث الأسباب يتمثل في دفاعنا الدائم عن الحرية البيداغوجية للمدرسين والمدرسات إيمانا منا بأن فكر التعدد البيداغوجي في المدرسة المغربية هو سبيلنا نحو المسؤولية البيداغوجية لمدرسينا ومدرساتنا؛ وذلك ما يتنافي كليا وأبدا مع كل تفكير تنميطي وتحنيطي للممارسة اليومية لمدرسينا ومدرساتنا. و رابع الأسباب هو أننا لم نأت إلى هذا النقاش من جزيرة في أقاصي الأرض، بل إننا نتحمل وتحملنا مسؤوليات فكرية وعلمية وتدبيرية تمخض عنها الكتاب الأبيض الخاص بالبرامج والمناهج وشاركنا في كثير من الملفات والأوراش الخاصة بالتربية والتكوين والتعليم وهذا أمر معروف للبعيد قبل القريب، ولأننا كنا ننتظر أن تتم المساءلة الفكرية والعلمية والوطنية لما تحصل وما تراكم فإذا بنا نجد أنفسا نقلب الصفحات بدون تبريرات علمية ولا تشخيصات وطنية ولا مساءلات فكرية. فحينما يقال إن الكفايات المستعرضة غير صالحة لنا في المغرب هكذا بانطباع وتسرع دون بحث لا دراسة ولا تشخيصات... يدفعنا الأمر لنتساءل قائلين: من يصدر عنه هذا الحكم من المغاربة؟ ومن من المغاربة قام ببحث في هذا المجال؟ و اقترح تعديلات أو تطويرا للمنهاج المغربي بناء على نقد للكفايات المستعرضة؟... 
ليسمح لنا جميع الباحثين والمهتمين بالقول أن من روج و يروج لهذا الكلام منذ البدء كانوا هم أتباع اغزافيي رويجرس في المغرب , وإنني أجدد الدعوة لهم ولغيرهم ممن انتقدوا الكتاب الأبيض أن يقدوموا اجتهاداتهم الفكرية والمعرفية إغناء للمكتبة التربوية المغربية وألا يظلوا ظلالا لغيرهم، نسخة بلا اسم ولا هوية ولا عنوان... يتحدثون باسم الغير ويتخذونه مطية وأفقا للفكر البيداغوجي... 
إذن، لهذه الاعتبارات كان لا بد من تدشين نقاش في العلن كي تتحدد المسؤوليات الفكرية والسياسية والإيديولوجية، وبالتالي تتضح الصورة الغامضة ونخرج من النقاشات الدائرة في الكواليس إلى النقاش المسؤول الذي يحمل توقيع صاحبه: ميلاد المواطن.
وأول ما يثار في هذا النقاش هل بيداغوجيا الإدماج من اختيار مسؤول محدد؟ من هو؟ لماذا اختارها؟ وكم يكلفنا تبنيها؟... وهل كان تبنيها مرتبطا بتقرير المجلس الأعلى للتعليم الصادر في سنة 2008؟ وما هي الخلفيات المعرفية والسياسية والإيديولوجية لهذا التقرير؟ وما هي قيمة الدراسات التشخيصية التي انبنى عليها ليخلص إلى تبني التعلمات الأساسية؟ ومن هي الشخصيات الفكرية والثقافية ذات المصداقية العلمية والفكرية والسلطة العلمية التي كانت وراء هذا التقرير...إلخ؟ وهل درس التقرير حال المغرب دراسة علمية أم دراسة إيديولوجية تبرر لما سيأتي؟ ولماذا تزامن تقرير المجلس الأعلى مع تلويح كثير من المسؤولين بنهاية عهد الميثاق الوطني للتربية والتكوين أو إرادة إعادة كتابته -إن توفرت الظروف- بشكل آخر...؟
يريد هذا الكتاب أن يدفع بهذه الأسئلة وغيرها – كالمطروحة في متنه- إلى حدودها القصوى، مسائلا في الآن ذاته حدود اختياراتنا السياسية في مجال يتطلب كثيرا من التراكم وكثيرا من تحمل الألم وكثيرا من الإشراك للوصول إلى المواطنة الجمعية. 
وأما الجزء الثاني من هذا الكتاب فسنخصصه للحدود البيداغوجية عند اغزافيي رويجرس، منطلقين فيه من أسئلة من قبيل: هل بيداغوجيا الإدماج بيداغوجيا؟ هل هي بيداغوجيا أم ديداكتيك عام؟ هل هي ديداكتيك أم هندسة في التخطيط ؟ ما الأسس التي تقوم عليها؟ وكيف تتصور المتعلم والمدرس والمعرفة المدرسية؟ ...إلخ. ستكون أسئلتنا هذه مناسبة أخرى للدفع بهذه القضايا البيداغوجية والتربوية إلى حدودها القصوى كذلك حتى نميز في هذه البيداغوجيا بين ما ينتمي للتربية والتعليم والتكوين والبيداغوجيا وما ينتمي لمجالات أخرى كالمجالات الإيديولوجية الثاوية التلقائية أو المقنعة قصدا أو اللاشعورية.
اعتمدنا في هذا المؤلف منهجية النقد الداخلي لسببن اثنين هما:
أولا: التموقع داخل التصور العام لبيداغوجيا الإدماج والعمل على إبراز تناقضاتها وأسئلتها ومراميها وخلفياتها...؛ ولذلك فإن قراءة هذا الكتاب تستوجب الإطلاع الأولي على مؤلفات اغزافيي من طرف القارئ؛
ثانيا: لم يكن قصدنا هو نقد بيداغوجيا الإدماج انطلاقا من تصور آخر خارج تصوراته حتى لا نسقط في الثنائيات: حقيقة أمام أخرى. فيكون حوارنا حوار الصم، حوار الحقائق، حوار الجاهز. وبعيدا عن ذلك نحن من المدافعين عن الحرية البيداغوجية، لكننا في الآن نفسه نعمل على نحت تصور عام للمدرسة الشاملة .
المصدر: صفحة الأستاذ الحسن اللحية
موقع الأستاذ

موقع تربوي مستقل يهتم بجديد التربية والتعليم بالمغرب

للتواصل معنا يرجي زيارة صفحة تواصل معنا: موقع الأستاذ

معركتنا البيداغوجية Reviewed by موقع الأستاذ on 4:48 ص Rating: 5 معركتنا البيداغوجية: الحسن اللحية  في نقد بيداغوجيا الفقراء مدخل: في بيداغوجيا الفقراء ! ...

ليست هناك تعليقات:

جميع الردود تعبّر عن رأي كاتبيها فقط.