كيف تصبح المدرسة مؤسسة سجنية؟ - موقع الأستاذ

728x90 AdSpace

آخر المستجدات
الثلاثاء، 29 سبتمبر، 2015

كيف تصبح المدرسة مؤسسة سجنية؟

كيف تصبح المدرسة مؤسسة سجنية؟
كيف تصبح المدرسة مؤسسة سجنية؟
لقد غدت صور مألوفة على أجهزة وسائل الإعلام، لشباب في مقتبل العمر يحتجون بأعلى أصواتهم، وبشتى شعاراتهم أمام و بجانب المؤسسات الرسمية عبر دول العالم ، تعبيرا عن تذمرهم من نقمة البطالة، التي تعطل قدراتهم وأفكارهم بل حياتهم بأكملها، وتقضي على سنوات العمر التي قضوها في الدراسة.
هذا المشهد يتناسب إلى حد كبير مع أفكار ونبوءة عمل الكاتب الأمريكي وليام ريكنباكر في كتابه اثنا عشرة سنة من السجن Twelve years sentence ، وهي أفكار لها من الراهنية ما يجعلها صلبة تقاوم ببسالة طرحها، وبقوة رؤيتها منذ أزيد من 40 سنة لواقع التعليم في العالم، حتى وإن كانت هذه الأفكار لن تعجب الكثيرين متهمين إياها بالراديكالية والتشدد.
سِجْن وسُجَنَاء وحُراس للسجناء، كلمات تختزل مفهوم هذا الكتاب التحفة لحقيقة المدرسة، التي تحولت إلى مؤسسة سجنية، حيث يضطر المتعلمون منذ سن السادسة إلى حدود الثامنة عشرة سنة إلى الجلوس لساعات طوال، تحت سقف جدران ضيقة، لمدة ستة أيام في الأسبوع تحت حراسة الأساتذة الذين توظفهم الدولة لهذا الغرض، ليتم تلقينهم وامتحانهم في مضامين مختارة بعناية، في حين يتكفل الآباء بدفع قسط مهم من الضرائب من جيوبهم، قصد تمويل هذه السياسة. 
هذا السجن الإجباري يمكن أن يمتد لسنوات أخرى عند الانتقال إلى الجامعة لاستكمال الدراسات العليا. 
بهذا المعنى، فالدول والمؤسسات الرسمية، تضع استراتيجيات ومخططات لتشكيل وقولبة المتعلمين وفق نموذج نمطي ممركز، لا يرجى من ورائه تحقيق مبدأي الحرية والإنتاج بقدر ما يكرس ترويض الأفراد ليصيروا عبيدا للدين والقروض، خاضعين غير مستقلين، متشبعين بسموم البيروقراطية، فضلا عن تحولهم لكومة أجساد تستعمل عند الحاجة في الحروب والنكبات.
إذن، ماذا تعلموا في المدرسة؟ سوى ترديد ما سمعوه من أساتذتهم، فتكون المحصلة، تفريخ متعلمين، ليست لديهم فكرة واضحة عن كيفية توظيف مداركهم ومعارفهم وقدراتهم المحدودة إلى أنشطة مدرة للداخل، في نظام يعرف منافسة شرسة ترتكز على المبادرة الفردية والديناميكية والانتاج والتبادل.
إنهم يجهلون كل ما يحرك العالم ويبني الأمم والحضارات، إنه الحس التجاري العابر للقارات، حيث لم يسبق لهم الاشتغال ولو ليوم واحد في القطاع الخاص، كما أنهم لم يتلقوا أمرا من الأوامر، ولا عرفوا معنى ركوب المخاطر والصعاب ، ولا كيفية تدبير والتعامل مع صرف الميزانية، إنهم مجرد مستهلكين لا منتجين فاعلين، حتى أن ثمن استهلاكهم يمول من جيوب آبائهم.
هناك اعتقاد خاطئ، يتم تسريبه لعقول الناس، مفاده أن التعليم مجاني، فالتعليم ليس مجانيا البتة، فهو ممول من طرف المواطنين دافعي الضرائب، أما عن حقيقة التعليم التي يتم تجاهلها فهي إجباريته المفروضة على الناس بالقسر، حيث تصير تهمة الغياب عنوانا لصيقا لفكرة الهروب من المدرسة ، أما في حالة رفض دعمها فإنك تنعت بالخيانة وغياب الحس الوطني، من جانب آخر إذا التجأت للتعليم الخاص فإنك تدفع وتسدد مرتين، أما في حالة تدريس أبنائك في المنزل، فإنك مقبل على سيل من الاحتجاجات والانتقادات من طرف المساعدين الاجتماعيين وكذا سلطات الدولة المختصة.
من الواضح أن هذه السياسات لن تخلف إلا ملايين من الضحايا عبر العالم، حيث يحلم الشباب بعد سنوات من الدراسة بأن يحققوا ذواتهم، لإضفاء معنى لحياتهم، من خلال إيجاد فرص عمل، لكن العديد منهم يرتمون في أحضان البطالة والفقر، وبالتالي لا يتوانون في الخروج والاحتجاج على أمل الانعتاق من نفق البطالة المظلم.
من جهة أخرى، الشيء المثير للانتباه، أن عمليات إعادة إصلاح التعليم تحدث بشكل مستمر من دون توقف، غير أنه لا يتم الالتفات صراحة إلى مسألة إلغائها من الأصل، تخيلوا معي أن التعليم الإجباري لم يكن مدرجا البتة قبل القرن 18 و19 ومع ذلك استطاعت تلك الأزمنة إنجاب رجالات وعباقرة قل نظيرهم، حتى أن الأسماء التي برعت في علوم عدة في عالمنا العربي القديم كانت نتيجة للتعليم الحر وليس الإجباري.
يبدو أن المدرسة في هذا السياق صارت مؤسسة سجنية قائمة بذاتها، وقد يبدأ التفكير في الاستغناء عن أسوارها مستقبلا، نظرا لتقدم أساليب انتشار المعرفة، وهو ما قد يتوافق مع رؤية وليام ريكنباكر الذي حاول تحطيم مسلماتها منذ أربعين سنة خلت، باعتبارها نظام سجني أكثر منه تعليمي تربوي.
بقلم محسن زردان
كاتب وباحث
موقع الأستاذ

موقع تربوي مستقل يهتم بجديد التربية والتعليم بالمغرب

للتواصل معنا يرجي زيارة صفحة تواصل معنا: موقع الأستاذ

كيف تصبح المدرسة مؤسسة سجنية؟ Reviewed by موقع الأستاذ on 10:30 م Rating: 5 كيف تصبح المدرسة مؤسسة سجنية؟ لقد غدت صور مألوفة على أجهزة وسائل الإعلام، لشباب في مقتبل العمر...

ليست هناك تعليقات:

جميع الردود تعبّر عن رأي كاتبيها فقط.