جمرات البيداغوجيا الحديثة - موقع الأستاذ

728x90 AdSpace

آخر المستجدات
الجمعة، 25 مارس، 2016

جمرات البيداغوجيا الحديثة


جمرات البيداغوجيا الحديثة
جمرات البيداغوجيا الحديثة
لم يعد الفن البيداغوجي- اليوم- يقتصر على تربية وتعليم النشء الصاعد، أو بالأحرى يتمركز حول إعطاء الدروس وتلقين التعلمات والمعارف الجاهزة، دون الانتباه إلى المرحلة العمرية للمتعلم ولا الالتفات إلى مستواه الإدراكي و مساءلة اختياراته وميولاته الفنية منها والأدبية والعلمية. ناهيك عن باقي الأسئلة المهمة التي بواسطتها تكتمل صورة مسيرته الدراسية، وأخص بالذكر: 
1- الإدارة التربوية: 
إلى حدود الثمانينات كان مفهوم الإدارة التربوية يعني استعمال السلطة وإحكامها في وجه المتغيبين من المدرسين والمدرسات والمكررين من التلاميذ و التلميذات، بالإضافة إلى اعتماد أسلوب الغلظة في التعامل والتصرفات، مما دفع بالعلاقات التربوية- سواء بين الإدارة و الطاقم التربوي إلى التأزم أو بين الإدارة وآباء وأمهات التلاميذ إلى الجمود أو بين المتعلمين ومدرسيهم إلى التآكل والتسوس- تماما كما يتسوس الخشب أو الضرس- والنشاط التربوي الى التراجع والموت البطيء. وما النتائج المأساوية- (غياب الأنشطة التربوية بشكل مستمر ودينامي، شجار الأساتذة مع التلاميذ والطلبة، نزاعات الآباء والأساتذة والإدارة)- التي نجني ثمارها اليوم إلا دليل فاحم على سوداوية الماضي المتحكم و الانفرادي وغياب آليات التواصل البيداغوجي المتحضر.
2- شخصية المدرس:
أكدت العلوم و الدراسات الإنسانية ، وعلى رأسها علم النفس وعلم الاجتماع، أن لشخصية المدرس أأأأأثر كبير، ليس على ابصام صيرورة المتعلم الدراسية فحسب، وإنما على مستقبل شخصيته. إذ بقدر ما يكون المدرس مبادرا، نشيطا، متفهما، منفتحا وبسيطا في علاقته وتعامله مع المتعلمين، تنعكس هذه الدينامية إيجابا على المتعلمين، ويغدو هؤلاء متقمصين لشخص أستاذهم، مستثمرين قيمه الاخلاقية ، تعليماته ، إرشاداته و توجيهاته. وبما أن ماضي التربية والتعليم كان يقوم على التلقين والحشو المعرفي والضبط والزجر عند الوقوع في الخطأ أو الغياب ، فان حضور المتعلم في الفصل الدراسي كان يشبه عدمه، إذ لا ينادى عليه إلا أثناء إخراج سجل الحضور والغياب فقط. ضف على ذلك أن شخصية المدرس أتذاك كانت لا تختلف كثيرا عن شخصية المدير السلطوي، مادامت تجمعهما ثقافة الصرامة والضبط و تفرقهما حجرة التلقين والصمت. 
3- بنية الحجرة الدراسية:
تعتبر الحجرة الدراسية عنصرا قويا في تحقيق الاستقرار والاستمرارية للعملية التعليمية، بل جزءا لا يتجزأ من نجاح المنظومة التربوية أو فشلها. إذ من المعلوم أن عشوائية التنظيم التي كانت تعرفها الحجرات الدراسية الضيقة السائدة في الماضي، بالإضافة إلى عامل الرطوبة المسيطر عليها، كانت تكبح الى حد بعيد حركية واندفاعية المتعلمين، إلى درجة تخسيسهم و كأنهم ملتصقين بكراسيهم وان أرواحهم ستزهق منهم وقت مغادرتهم لها، ولولا لطف فترة الاستراحة لحدثت الكثير من المفاجئات والتراجيديات اقلها تبول وتغوط
4- المادة المدرسة: 
من عيوب العمل التربوي وإخفاقات العملية التدريسية في الماضي، عدم الاهتمام بشخص المتعلم سواء بمؤهلاته العلمية أو بميولاته الأدبية و الفنية، حيث تقدم له المواد الدراسية و كأنها أطباق شهية من الفواكه و الحلويات اللذيذة، أي دون الاكتراث في التفكير في طبيعتها وواقعيتها حتى تستقيم معناها و تتضح أهدافها ، إذ لا جدوى من تعلمات و دروس غامضة و بلا معنى .
5- هيكل المؤسسة: 
من البديهي أن تتقاسم المؤسسة و الحجرة الدراسية بعض القواسم المشتركة سواء من حيث التنظيم أو النظافة و تختلفان من حيث المساحة و الوظيفة ا. وبما أن المؤسسات في الماضي كانت لا تعير لهذا التشابه والاختلاف أي قيمة واهتمام ، فلهذا السبب غاب عنصر التنظيم عن تصورها وبرامجها، مما جعلها – أي المؤسسات تعيش الاعتباطية في كل التدابير والإجراءات الموكولة لإدارة المؤسسة. وقد انعكس سوء التصرف والتسيير الإداري هذه على محصلة وحرية المتعلم، الذي كان يرى التتويج بالنجاح ، أو المرور من فصل دراسي إلى آخر السنة الدراسية جحيما يجب أن ينهي مسافته.
لذلك، إذا كانت حياة البيداغوجيا في الماضي منعدمة أو شبيهة بذلك، فإنها اليوم أضحت متوهجة كنار الحداد وحارقة كالجمر، ولعل الإطار المرجعي لهذه الثورة يعود بالدرجة الأولى إلى عامل العولمة الكاسح و التطور الكبير الذي حققه الوسيط الاتصالي في هذا الباب ، حيث أصبح العالم قرية صغيرة، تتغذى شعوبها (رغم اختلاف درجة نمائها وتقدمها) بثقافات وعلوم متنوعة، مادامت عوامل الحدود الجغرافية والهوية والدين واللغة والخصوصية لم تعد لها أي معنى أو وجود في زمن حوار الحضارات و التنوع الثقافي و مجتمع المعرفة ، خصوصا لما انحنى الجميع للقديس العولمة. 
بالإضافة إلى العوامل السابقة ، هناك التغيرات الاجتماعية والاقتصادية التي ساهمت في بزوغ فجر سياسي جديد خاصة في اوساط الأنظمة الشاملة التي كانت تنعت إلى حدود الأمس القريب بالديكتاتوريات المتحكمة.
هذه العوامل والأسباب كانت كفيلة بتغيير رؤية دول المعمور وشعوبها اتجاه الفعل البيداغوجي، الذي أصبح شرا تربويا لا بد منه ورافعة قوية للتنمية المستدامة. وحتى تتمتع المنظومة التربوية بمواصفات حداثية وتخضع للمعايير الدولية، أصبح من اللازم القطع مع جميع الأساليب والممارسات الماضوية البالية التي غيبت ذات المتعلم وطاقاته الإبداعية والاقتراحية، وتعاملت معه كأداة للإنصات والشحن فقط. وذلك باعتماد نظام تربوي حديث يقوم على التواصل البيداغوجي الفعال لتحفيز المتعلم نحو المبادرة والخلق والانخراط في قضايا محيطه المحلي، بغية اكتشاف قدراته وكفاياته النوعية من جهة وتحسيسه بالمسؤولية ودوره الأساسي في إيجاد الحلول ومعالجة كل الوضعيات التي تستدعي تدخله. 
إن الفعل التربوي الذي لا يرتكز اليوم على المتعلم ويجعله في قلب العملية التعلمية، وبالتالي لا يستند ولا يستحضر قدراته الفعلية ولا طاقاته الفكرية والإبداعية ، هو مشروع مشلول وتخطيط تربوي شكلاني محدود و محكوم بالفشل. 
ولكي يصير نظامنا التعليمي مواكبا للتطورات العلمية الباهرة التي يعرفها حقل علوم التربية تحديدا والعلوم الإنسانية بشكل عام ،أضحى من اللازم أن تعيد منظومتنا التربوية ليس النظر فقط في المفاتيح الخمسة المتحكمة (الإدارة، المدرس، الحجرة الدراسية، المادة التعليمية،هيكل المؤسسة) في الحياة المدرسية للمتعلم المغربي ومواصلة مشواره الدراسي بتفان و نجاح، مادام الهدف الأسمى هو ربح المواطن الصالح لبلاده وعبادها، وإنما مراجعة وعقلنة كل النظم و القواعد والمشاريع والدراسات والاختلالات التي تسببت لنا في هذه العلة القاسية: بدءا من تهميش دور المتعلم في بناء العملية التعليمية، إلى ظاهرة الاكتظاظ المتفشية في جميع أسلاك مؤسساتنا التعليمية، والتي وقفت سدا منيعا في تطبيق بيداغوجيا الإدماج ثم ظاهرة التكرار التي قوت روافد نهر الهدر المدرسي وصارت نتائجه وأرقامه تربك مخططات الدولة وعلاقاتها مع المنتظم الدولي. 
وحتى أزيح كل غموض محتمل نحو عنوان الموضوع، أقول أن المقصود بجمرات البيداغوجيا الحديثة، هي الرجة القوية التي يجب أن يعرفها نظامنا التعليمي في اعتماده لبرامج و مناهج تربوية تمنح المدرس الحرية الكاملة في التأمل والنقد- وهذا ما يثبت جدارة مهنيته- إلى درجة استبدال واختيار المواد المعرفية، التعلمات، الأنشطة والفضاء الدراسي (باعتبار أن طبيعة بعض الدروس تستلزم إقامتها في الطبيعة- كدروس الجغرافيا و النشاط العلمي- أو داخل مصلحة البريد أو الميناء أو المطار أو تستدعي تنقلا أو سفرا - كزيارة المآثر التاريخية- الخ) التي يراها مفيدة و ملائمة للمتعلم .إذ يكفي التنصيص على المحاور المقررة أو رسم الخطوط العريضة لكل مستوى على حدة، لان الباقي يستحسن أن يدبر أمره المدرس وتلاميذه، تماما كما عود المربي الفرنسي سليستيان فرينيه كل المبدعين والتواقين إلى الحرية والاستقلالية المنتجة.
فالفن البيداغوجي الحديث – جمر حارق ومشروع ليس هين التحقيق- لأنه لا يقوم على النوايا و الأماني الطيبة، بقد ما يستلزم تجنيد طاقات جديدة وإعداد التجهيزات و الوسائل التربوية اللازمة/ مع تغيير
العقليات الموروثة في مراكز القرار، وجعلها قوة بشرية تؤمن بان الزمن الذي بنى العالم بإمكانه أيضا أن يصنع غدا رجالا أبطالا لهذا الوطن بواسطة تكوين رصين و حديث لأولاد هذه الأمة. 
إن الوصفات و طرائق العلاج التي نعتمدها من حين لآخر لإصلاح المنظومة التربوية ، لم تعد نافعة مع مرض عمر لعقود طويلة ، اذ الخلاص و الحل الوحيد أضحى هو: دعوة الفاعلين الاقتصاديين والاجتماعيين وباقي الشركاء الذين نص عليهم الميثاق الوطني للتربية والتكوين إلى الاستثمار في هذا القطاع الاجتماعي الهام ، باعتباره عصب النهضة العلمية والثقافية وإكسير التنمية الوطنية الشاملة.
ترى هل قطع نظامنا التربوي مع مخلفات الماضي؟ و إلى أي حد تسعى بلادنا جادة إلى ركب عجلة البيداغوجيا الحديثة- على الأقل في ربط الفعل التعلمي بمحل التكوين والتطبيق أو تكييفه مع مجريات الحياة الدراسية على غرار مااكدت عليه نظريات ماكارينكو و بلونسكي ؟
موقع الأستاذ

موقع تربوي مستقل يهتم بجديد التربية والتعليم بالمغرب

للتواصل معنا يرجي زيارة صفحة تواصل معنا: موقع الأستاذ

جمرات البيداغوجيا الحديثة Reviewed by موقع الأستاذ on 11:17 م Rating: 5 جمرات البيداغوجيا الحديثة لم يعد الفن البيداغوجي- اليوم- يقتصر على تربية وتعليم النشء الصاعد،...

ليست هناك تعليقات:

جميع الردود تعبّر عن رأي كاتبيها فقط.