عتبات الانتقال، عتبات لتكرار الفشل! - موقع الأستاذ

728x90 AdSpace

آخر المستجدات
الخميس، 14 أبريل، 2016

عتبات الانتقال، عتبات لتكرار الفشل!

عتبات الانتقال، عتبات لتكرار الفشل!
عبد الكريم الحياني
عبد الكريم الحياني، مفتش تربوي
في إطار توطين الرؤية الاستراتيجية لإصلاح منظومة التربية والتكوين 2015- 2030، التي أعدها المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، وذلك من خلال تفعيل التدابير ذات الأولوية التي اعتمدتها وزارة التربية الوطنية، شرعت هذه الوزارة منذ بداية الموسم الدراسي الحالي2015-2016 في التنزيل التدريجي لعدد من المحاور، ولعل المحور الأول أخذ حيزا هاما من الاهتمام بالنظر إلى أهميته في الإصلاح التربوي؛ بحيث يهدف إلى تمكين المتعلمات والمتعلمين من التعلمات الأساس من خلال أجرأته عبر تدبيرين؛ الأول يتعلق بتحسين المنهاج الدراسي للسنوات الأربع الأولى من التعليم الابتدائي، والتدبير الثاني يتعلق بالرفع التدريجي من عتبات الانتقال. وفي إطار تفعيل هذا التدبير أصدرت وزارة التربية الوطنية مذكرة تحت عدد 104 بتاريخ 22 أكتوبر 2015، وجهتها لجميع الفاعلين ماعدا المفتشين. كما تكلفت مديرية الاستراتيجية والإحصاء والتخطيط بالمشروع، وعقدت لقاءات إخبارية تواصلية همت جميع المستويات؛ مركزيا، جهويا، إقليميا ومحليا موجهة لجميع الفاعلين التربويين (الأطر الإدارية والتربوية والنقابات وجمعيات المجتمع المدني والآباء وأولياء التلاميذ)، بغية ضمان انخراط جميع الفاعلين التربويين لتقوية حظوظ نجاح المشروع. غير أن بعض هذه اللقاءات يتطلب الموافقة المبدئية للسيد الكاتب العام للوزارة حسب ما ورد بـ"المخطط التواصلي" المنجز من طرف فريق القيادة، كالتواصل مع نقابة المفتشين الأمر الذي يطرح عدة أسئلة خاصة و أنه لم يتم لحدود الآن...
ويرمي المشروع، -حسب ورقته التعريفية بموقع الوزارة- إلى الرفع التدريجي لعتبات الانتقال بين المستويات والأسلاك التعليمية، لبلوغ العتبة المطلوبة (5/10 بالابتدائي و10/20 بالإعدادي) في أفق 2017-2018، مع العمل على تحكم التلاميذ في الحد الأدنى من التعلمات الأساسية، ولتحقيق هذا الهدف عملت المديرية المكلفة على إرساء برنام معلومياتي تطبيقي لمواكبة المشروع وتتبعه، غير أن المؤشرات الأولية توحي -منذ البداية- بأن المشروع لن يحقق النتائج المتوخاة منه بالنظر إلى التحديات التي تواجهه، وفيما يلي توضيح لبعضها: 
1. فريق القيادة :
تتحمل مديرية الاستراتيجية والإحصاء والخريطة مسؤولية المشروع، كما أن فريق القيادة يضم عددا من المديريات بممثل واحد عن كل مديرية، في حين حضرت المديرية المسؤولة بأكبر عدد من الممثلين، وهذا يشكل أكبر تهديد لنجاحه؛ إذ أن تسليم قيادة مشروع تربوي لفريق تقني سينعكس سلبا على مختلف العمليات، وسيجعل المقاربة الكمية المعتمدة على المعطيات الإحصائية هي المسيطرة، في حين أن هذا المشروع من المفروض أن يعطي الأولوية للحلول البيداغوجية لمعالجة إشكالية الانتقال من مستوى أو سلك إلى مستوى أو سلك أعلى. كما أن من شأن هذا أن لا يساعد في انخراط باقي المديريات؛ سيما قسم التقويم التابع للمركز الوطني للتقويم والامتحانات والتوجيه، وقسم استراتيجيات التكوين التابع للموارد البشرية. إن مشروع تدبير عتبات الانتقال ينبني أساسا على ضرورة ضمان تحكم المتعلمات والمتعلمين في التعلمات الأساس، فهل يتوفر فريق القيادة على تصور بيداغوجي واضح حول كيفية توطين هذا المشروع بالحجرات الدراسية؟ إن العمليات التربوية الكفيلة بتحقيق هذا الهدف تختلف تمام الاختلاف عن العمليات التي ألف قسما التخطيط وتتبع مخططات التمدرس القيام بها من إعداد للمخططات الوطنية لتنمية التمدرس وتنسيقها، وإنجاز التحقيقات والتحليلات الإحصائية، وبالتالي فمن الضروري تجاوز المقاربة الإحصائية إلى ما هو نوعي وهذا يتطلب إشراك الفاعلين البيداغوجيين في تدبير المشروع.
2. عتبات الانتقال وعودة E1 P5 في حلة جديدة:
إن مشروع تدبير عتبات الانتقال يأتي لمعالجة إشكالية انتقال التلاميذ من مستوى أو سلك تعليمي لآخر دون حصولهم على الحد الأدنى من التحكم في التعلمات الأساس، وبالتالي فهوي يسعى –كما تنص على ذلك المذكرة الوزارية رقم 104- إلى وضع خطة عمل ترمي إلى ضمان تحكم التلاميذ في الحد الأدنى من التعلمات الأساس كشرط أساسي للنجاح، والرفع التدريجي لعتبات الانتقال بين المستويات والأسلاك، وهذا ما كانت تسعى إليه الوزارة في إطار البرنامج الاستعجالي؛ ذلك أن الرفع من نسبة التمدرس الصافية كان دائما هاجسا كبيرا للوزارة، ولتحقيق هذا الهدف وضعت سلسلة من التدابير في إطار مشروع محاربة ظاهرة التكرار والانقطاع عن الدراسة المعروف اختصارا ب E1.P5، ولعل أبرز هذه التدابير، وضع نظام للتبع الفردي وآخر للدعم المدرسي، وهو ما يعود حاليا في حلة جديدة رقمية، إذ طور القائمون على المشروع برناما تطبيقيا aataba، الذي يضم محورين أساسيين؛ الأول يتعلق بتشخيص التعلمات ويخص مسك نقط التشخيص المزمع إنجازه في المواد الأساس في بداية الموسم الدراسي (بالنسبة للابتدائي العربية، الفرنسية، الرياضيات، النشاط العلمي، وبالنسبة للثانوي الإعدادي العربية، الفرنسية، الرياضيات، علوم الحياة والأرض والفيزياء)، أما المحور الثاني فيضم الدعم التربوي ويخص عمليات توزيع التلاميذ المتعثرين والأساتذة على الأقسام الخاصة بالدعم، وهنا نطرح التساؤلات التالية: لماذا الانتقال من دفتر التتبع الفردي إلى برنام aataba؟ هل هذا الانتقال كاف لإنجاح هذا المشروع؟ هل أنجز القائمون على المشروع دراسة تقييمية علمية حول أسباب فشل المشروع السابق خصوصا في شقه المتعلق بالدعم التربوي، على اعتبار أن المشروع السابق توقف نجاحه عند عملية مسك المعطيات على دفتر التتبع؟ ألا يخشى القائمون على المشروع أن تتوقف هذه العملية عند مسك المعطيات، خصوصا في ظل المخاطر الكثيرة والإكراهات التي حصرها القائمون في البطاقة التعريفية للمشروع؟ إن فريق القيادة مطالب بدراسة مكامن نجاح وفشل المشروع السابق، قبل البدء في التنفيذ، من أجل استثمار نقط قوته وتحسين وتطوير نقط ضعفه، وإلا فإن النتيجة الحتمية له ستكون مثل سابقه. 
3. البرنام التطبيقي وتشخيص التعلمات:
إن إجراء مقارنة بسيطة بين دفتر التتبع الأداة المعتمدة في التشخيص إبان البرنامج الاستعجالي، ومنصة aataba المعتمدة حاليا، يتبين البون الشاسع بين الأداتين، فالأولى كانت ولاتزال وثيقة جد متطورة، تميزت بشموليتها في التطرق لحياة المتعلم من جميع الجوانب، بحيث تضم ثلاث بطاقات الأولى خاصة بالحياة الشخصية للمتعلم، وبطاقة ثانية تضم المعطيات السوسيوتربوية، وبطاقة ثالثة تركز على شبكة تتبع التعلمات وفق المقاربة بالكفايات، غير أن القائمين على المشروع الجديد حصروا عملية التشخيص في وضع نقطة عن كل مادة من المواد الأساس، في حين غابت بقية الأمور، فهل النقطة كافية لإعطائنا صورة حقيقية عن الصعوبات االصحية والنفسية والاجتماعية التي يعاني منها المتعلم؟ هل هذه النقطة بإمكانها الكشف عن مدى تحكم المتعلم في المادة الدراسية؟ هل هذه النقطة كافية لإعطائنا صورة عن الأسباب الحقيقية وراء مكامن الخلل؟ هل هذه النقطة كفيلة بمساعدتنا على اختيار أنشطة الدعم والعلاج المناسبة؟ ثم ألا يعلم هؤلاء المهندسون أن كل مادة تتضمن مكونات متعددة، وكل مكون يضم موارد وتعلمات مختلفة؟ ثم إلى أي حد ينسجم هذا التشخيص المزمع تنظيمه مع المقاربة بالكفايات؟ إن نجاح إجراءات الدعم رهين بتشخيص دقيق لحالة المتعلم من جميع جوانب حياته الشخصية والاجتماعية والدراسية، حتى يتسنى وضع صورة واضحة ومتكاملة عن حالته، وبالتالي تحديد الإجراءات العلاجية المناسبة، أما التركيز على نقطة معينة فهذا إجراء قاصر لن يحقق الأهداف المتوخاة منه.
4. مشروع عتبات الانتقال والدعم التربوي:
بالرغم من أن بيداغوجيا الدعم اعتبرت في جل الإصلاحات، من بين المقاربات التي ينبغي اعتمادها لتوفير النجاعة في التدريس والتعلم وضمان جودة التحصيل لدى المتعلمين، إلا أن التجارب التي عرفها النظام التربوي خلال العقدين الأخيرين لم تنجح في الرفع من المردودية الداخلية عبر القضاء على ظواهر الرسوب والتكرار والانقطاع والرفع من نسبة "التمدرس الصافية" بالرغم من أنشطة الدعم أثناء التدريس وعند نهايته وبمناسبة الأيام والأسابيع التي خصصتها المناهج الدراسية لذلك، كما أن التقويمات الوطنية والدولية تؤكد على أن عددا كبيرا من التلاميذ ينتقلون إلى السلك الموالي دون التمكن من التعلمات الأساسية اللازمة لمتابعة الدراسة بنجاح. كل هذه الأمور تتطلب من المسؤولين أخذها بعين الاعتبار والبحث عن الأسباب الحقيقية لهذه النتائج، فهل تتبع العمليات ومواكبتها انطلاقا من البرنام المعلومياتي التطبيقي كاف لتدعيم المتعثرين وتطوير النتائج؟ إلا إذا كان القائمون يبحثون على تطوير صوري للنتائج انطلاقا من تدوين نتائج ضعيفة في التشخيص وتحسينها تدريجيا طيلة السنة دون إجراءات داعمة حقيقية مصاحبة.
إن نجاح إجراءات الدعم التربوي رهينة بتوفير عدة ظروف، تتعلق أولا بالاهتمام بالتكوين الأساس والمستمر وتمتينهما، فالعمليات المرتبطة بتشخيص التعلمات ودعم التعثرات ليست بالأمر البسيط وفي متناول الجميع، بل هي عمليات معقدة ومركبة على السواء، تتطلب عدة خطوات، تبتدئ بتحديد الإطار المرجعي مرورا بتحديد الأهداف واحتساب أهميتها وإعداد الروائز وتجريبها وتمريرها وتصحيحها وتحليل نتائجها إلى غير ذلك من العمليات، ثم الإعداد لعميات الدعم التربوي حسب الحاجات الحقيقية لكل متعلم بناء على نتائج التشخيص وتقويم هذا الدعم. كما أن نجاحه أيضا رهين باستحضار متغيرات أخرى؛ كالبنية التحتية في عدد كبير من المؤسسات بحيث لا تتوفر على قاعات يمكن استغلالها في إنجاز الدعم، ناهيك عن الخصاص الكبير الذي تعرفه أغلب المديريات الإقليمية في الموارد البشرية سيما الخاصة بتدريس المواد الأساسية، أما مسألة التعاقد مع أطراف خارجية لإنجاز حصص الدعم، فهذا أمر يثير الكثير من الاستغراب، وكأن أي شخص مؤهل لإنجاز الدعم التربوي، مع العلم أن أغلب الأساتذة يعانون الأمرين في إنجاز هذه الحصص ، سيما مع الاكتظاظ وإكراهات البرنامج الدراسي ومحدودية استعمال الوسائل التعليمية.
5. معاملات المواد وعتبات النجاح:
إن إعطاء الأهمية للمواد الأداتية في التشخيص والدعم التربوي دون تمييز معاملاتها عن باقي المواد قد يؤدي إلى انتقال المتعلمين بالمعدل لكن دون التحكم في التعلمات الأساس، فجعل معامل المواد الأساسية كمعامل باقي المواد قد يؤدي بالمتعلم إلى الانتقال إلى مستوى أو سلك آخر دون تملك الأدوات الأساسية التي تمكنه من متابعة دراسته بنجاح في السنوات الموالية، وبالتالي لا بد من إعادة النظر في هذه المعاملات، مع ضرورة تعديل القرار الوزاري الخاص بالنظام المدرسي في التعليم الأولي والابتدائي والثانوي.
خاتمة:
لقد وضع المجلس الأعلى للتعليم من خلال التقارير التي أنجزها سنة 2009 الأصبع على مكامن الخلل، وبين أن المستويات المتدنية للتحصيل الدراسي لدى التلاميذ في كثير من المواد التعليمية تعزى إلى النجاح التلقائي والانتقال إلى المستويات العليا دون التحكم في التعلمات الأساس، وهذا ما يجعل التلاميذ يراكمون الصعوبات طيلة مسارهم الدراسي، مما يعيقهم عن إرساء التعلمات الجديدة بالإتقان المطلوب، وسبب هذه الوضعية هو غياب أنشطة الدعم والتقوية والمعالجة الرامية إلى تدبير صعوبات التلاميذ ومرافقتهم لتملك الكفايات الأساسية، كما أن النقص الذي تعرفه المنظومة على مستوى آليات التقويم التشخيصي والتكويني ولاسيما بالنسبة للممارسة البيداغوجية اليومية داخل الفصول الدراسية، كلها عوامل تساهم إلى حد كبير في تفاقم الوضعية، ولا أعتقد أن فريق قيادة المشروع الحالي له من الإمكانات والتصورات ما يساعده على تغيير هذه الوضعية بشكل كيفي معقول، أما من الناحية الكمية فالأمر بسيط وفوري. إن سياسة الأمر الواقع، وتغليب المقاربة الإحصائية على المعطيات النوعية الحقيقية، وفرض الحلول الفوقية دون إشراك حقيقي للفاعلين المحوريين، كانت هي السبب الرئيس الذي أدى إلى فشل عدد من التجارب والمشاريع السابقة. أرجو أن لا تلصق تهمة فشل هذا المشروع، هو الآخر، بالأساتذة والمديرين والمفتشين بدعوى مقاومة الإصلاح.
موقع الأستاذ

موقع تربوي مستقل يهتم بجديد التربية والتعليم بالمغرب

للتواصل معنا يرجي زيارة صفحة تواصل معنا: موقع الأستاذ

عتبات الانتقال، عتبات لتكرار الفشل! Reviewed by موقع الأستاذ on 11:08 م Rating: 5 عتبات الانتقال، عتبات لتكرار الفشل! عبد الكريم الحياني، مفتش تربوي في إطار توطين الرؤية الاس...

ليست هناك تعليقات:

جميع الردود تعبّر عن رأي كاتبيها فقط.