قصة قصيرة: الطمع يعمي البصيرة... - موقع الأستاذ

728x90 AdSpace

آخر المستجدات
الأحد، 22 مايو، 2016

قصة قصيرة: الطمع يعمي البصيرة...

الطمع يعمي البصيرة...
الطمع يعمي البصيرة...
قصة قصيرة
عاش السيد سعدون أيام طفولته فلاحا بنواحي سيدي بنور، ومارس الفلاحة إلى جانب والده الحاج عمر، ولم يسعفه الحظ في الذهاب بعيدا في دراسته، مما جعله يأخذ عن أبيه كل ما له علاقة بالأرض واستغلالها بأحدث التقنيات الزراعية، حيث كان يشرف على زراعة أنواع كثيرة من الخضروات والفواكه، مما جعله يحتل مكانة كبيرة إلى جانب والده في البيع والشراء وأصبحت له مكانته في الأسواق، مما أكسبه ثقة كبيرة لدى جل الفلاحين الذين يتعامل معهم والده، وبعد رحيله أصبح الآمر والناهي فيما ورثه من أملاك وعقارات وأراضي مسقية، و قد حاول جاهدا من تطوير فلاحته من خلال إدخال ما جد من التقنيات الحديثة في مجال الري والزراعة وتربية الماشية حتى أمسى من كبار الفلاحين بالمنطقة، ومع مرور السنين تدفقت عليه الأموال من كل جانب، مما جعله يفكر في توسيع مجالات استثماراته، حيث أنشأ أكثر من شركة بأكثر من منطقة فلاحية سواء بالجديدة أو الدار البيضاء أو مكناس أو أكادير، وكلها كان لها ارتباطا عضويا بالقطاع الفلاحي، كاستيراد وتوزيع الآت الفلاحية العصرية، أو المضخات المائية أو الأسمدة... فقد عاش السيد سعدون عيشة الأثرياء والوجهاء والأعيان، وصار من الطبقة الأستقراطية، وله أكثر من منزل فاخر بأكثر من مدينة مغربية، رغم أنه اكتفى بزوجة واحدة، وهي الحاجة رحمة التي أنجبت له ثلاثة بنات، الصغيرة منهن سافرت إلى أمريكا لإتمام دراستها العليا هناك، حيث حصلت على الماستر في التدبير والتسيير( لا جيستيون ) ، أهلها لتحصل على منصب مشرف ببلد العم سام، وكانت تتقن أكثر من لغة، ولا تدخل إلي المغرب إلا في فرص قليلة، أو خلال فصل الصيف، و ذلك حتى تبقى على صلة بعادات وتقاليد بلدها الأم، وتصل رحمها ويتعرف أبناؤها الذين ازدادوا بدار الغربة عن موطن والدتهم، مادام والدهم من أصول شرقية، تعرفت عليه السيدة زهراء في أحد المحطات التاريخية من حياتها بديار المهجر، وتطورت علاقتهما إلى زواج كان ناجحا بكل المقاييس، حيث استطاع أبناؤهم الاندماج الايجابي بالمجتمع الأمريكي، ومنهم من استطاع جلب أكثر من مستثمر أمريكي إلى المغرب، في أكثر من مجال تقني وتكنولوجي، حيث فتحوا لهم أكثر من فرع لشركات أمريكية مشهورة في هذه المجالات، وكانت لوالدتهم زهراء مكانة كبيرة في قلب جدهم السيد مسعود، و كان يدعو لها دائما بالرضا وصلاح الدعاء من قلبه، عكس أختاها اللتان كانتا في صراع دائم مع والدهما السيد مسعود بسبب طمع وجشع زوجيهما في مال والدهم، وكان السيد مسعود حريصا على ثروته التي جمعها بالكد والتعب، ويرى في أصهاره سوى ضباع تنتظر سقوط الفريسة، خاصة وأن ابنتيه قد تم تزويجهما في إطار صفقات كأي صفقة كان السيد مسعود يدخلها طمعا في مزيد من الكسب، وربما صهراه يطمعان هما أيضا في الانتساب إلى عائلة السيد مسعود الثرية، والتى أمست مشهورة على أكثر من صعيد... 
ظل السيد مسعود يبني ثروته حتى أصبح من أصحاب المكانة بالبلد، وأصبح اسمه مشهورا في عالم المال والأعمال، واعتبر من الأعيان، وقد ولج عالم السياسة هو الآخر من بابه الواسع، وترشح لأكثر من مرة للانتخابات الجماعية والتشريعية، مما جعله يحترف الممارسة السياسية ويساهم في تدبير الشأن المحلي والاقليمي لبلدته وجهته، وساهم في جلب استثمارات مهمة لمنطقته، مما ساهم في تشغيل شباب المنطقة، والتخفيض من نسبة البطالة بها، دون اغفال المشاريع الكبرى الأخرى التي أهلت البنية التحتية بشكل كبير، من طرق وكهربة وماء صالح للشرب، وإحداث منطقة صناعية كبرى بمدينته الأصلية التي يحبها كنفسه، و كان مخلصا لها، فهي التي صنعت منه رجلا من رجالات زمانه... لكل هذا، أحبه أهل بلدته بسبب اخلاصه و تفانيه في عمله، وصدقه... 
وبين عشية وضحاها تدهورت صحة السيد مسعود، وهو الرجل الذي يحمل على ظهره أثقالا كبيرة، وقلما يغمض له جفن، لكثرة مشاغله، وهواتفه التي قلما يتوقف رنينها طيلة اليوم... تعب تعبا شديدا... سقط مغمى عليه في مكتبه... نادت كاتبته على الإسعاف على وجه السرعة، حملوه إلى إحدى العيادات المشهورة... أدخلوه الانعاش بين الحياة والموت... السيد مسعود لم يسبق له أن اشتكى بأي ألم قط، فعمره الذي قضى منه أحلى فتراته في جمع المال و تكديس الثروة، وتعزيز مكانته في عالم المال والأعمال والسياسة... 
لحسن حظه، فقد عاد لوعيه وتم انقاذه بصعوبة من الموت، بعد جلطة دماغية مفاجئة كادت أن تؤدي بحياته... استقرت حالته الصحية الآن... فالغرفة التي يوجد بها السيد مسعود مملوءة الآن عن آخرها بالزوار على اختلاف أصنافهم وألوانهم وأشكالهم... السيد مسعود أحاطت بها كومة من باقات الورود، حتى إذا ما دخلت عنده في أول وهلة تخيلت نفسك عند بائع الورود... فمنهم من جاء لزيارة السيد مسعود بنية طيبة مشكورا، ليتفقد أحواله الصحية ، ومنهم من جاء لحاجة في نفس يعقوب قضاها، وما أكثرهم... 
بعد الكشوفات الطبية الدقيقة التي قام بها، عبر جهاز السكانير، تبين لأكثر من بروفيسور بضرورة إجراء عملية جد معقدة و دقيقة على المخ، فكان لا بد أن يتم إخبار آبنته زهراء بالمهجر، حتى يتسنى لها رؤية والدها، لأن لا أحد يعرف ما تخبئه الأيام القادمة... قدمت آ بنته الصغرى عند أول طائرة قادمة من نيويورك في اتجاه مطار النواصر الدولي، وهي التي لها علاقة خاصة بأبيها، مما جعلها تبكي كلما تذكرت حدثا جميلا عاشته مع والدها بالمغرب، وكان السيد مسعود يدللها مما جعل أختاها تحسدانها دائما، وتمرران لها أكثر من رسالة كره، كلما أتيحت لهما الفرصة... وكانتا تكيدان لها البغض والكره...ووالدهما هو الآخر كان يشعر بسوء معاملتهما لها، وكان يردعهما بكلام قاس، لا يعجبهما... أنت تفضلها دائما علينا(وما لها باش فايتانا... ولا هي حيك قاريا )... والدهما لا يعير آهتماما يذكر لكلامهما... 
مباشرة من المطار نحو العيادة، وهي تطلب من السائق أن يسرع أكثر، وكأنها في سباق مع الزمن (وبطا عليها امتا توصل)... أدلفت من باب الغرفة بجسمها المتعب من شدة السفر وطول المسافة، وجدت والدها، الرجل الصلب والقوي الذي عهدته من قبل، قد تغير حاله ب180درجة... أجهشت بالبكاء... قبلت يديه... قبلت رأسه...قبلت جبهته، نادته بأبي، بعزيزي، بروحي... رفع عينيه نحوها وبالكاد يفتحهما. إنه سمع صوتها...صوت زهراء ابنته ... سالت دمعتان حزينتان من عينيه... تأثرت تأثرا شديدا، ولم تقدر على البقاء أكثر في الغرفة... انصرفت بسرعة تبحث عن أحد ما بالعيادة ربما يصف لها وصفا دقيقا لحالة أبيها...استقبلها البروفيسور المكلف بمعالجة والدها في مكتبه، جلست تحاوره في هدوء عن حالة والدها، فنصحها بأن تحمله على وجه السرعة خارج المغرب، لإجراء عملية جد معقدة ودقيقة على المخ... فهمت جيدا بأن والدها في خطرما... 
ودعته ، خرجت مهرولة لإتمام الرحلة التي من أجلها جاءت... وهي في سراع مع الوقت الذي حدده لها البروفيسور... 
قضت أيامها الطويلة جدا، وكأنه الدهر... تتنقل بين أكثر من مكان لتهييئ الملف الصحي الخاص بوالدها لنقله معها إلى أمريكا، لإتمام الفحوصات، وإجراء العملية. 
في نهار يوم الجمعة كان كل شئ جاهزا، سترافقها أمها أيضا في هذه الرحلة، وصل الجميع صباح هذا اليوم إلى مطار محمد الخامس الدولي، وكل الاجراءات قد تمت والحمد لله، ولم يبق لهم سوى الدخول إلى المطار ... وفي حينه حضرت الأختان مهرولتان، وتظهر على ملامحهما على أنهما جاءتا تبحثان عن شئ مهم، و ليس لتوديع والدهما... دخلتا في شجار علني مع الأم و آبنتها زهراء، بدعوى أنهما تريدان أن تسرقان والدهما...لكنهما في الحقيقة تريدان له الموت العاجل ، واليوم قبل غد... وهما اللتان تنتظران هاته اللحظة للسطو على تركة والدهما السيد مسعود... فلا يهمهما حاله... ارتمت إحداهما بقوة على والدتها، فأسقطتها أرضا (ها الرضى ولا فالا) وكذلك فعلت الأخرى مع أختها الصغرى زهراء، وأحدثوا فوضى عارمة وضجيجا كبيرا أمام باب المطار... تجمهر المسافرون، ليتقصوا حقيقة الحكاية... حاولوا التهدئة من غضب الأختين الهائجتين لكن دون جدوى، وهما تصرخان (خاطفين لينا بانا... خاطفين لينا بانا). 
تدخلت شرطة المطار، فقبضت على الأختين... شرحت الأم وآبنتها الصغرى زهراء للشرطة، القصة بأكملها... كنت لا تسمع إلا أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ،اللهم نسألك اللطف يا رب ، هذا آخر الزمان. الإنسان عماه الجشع إلى هذا الحد... وكان السيد مسعود المحمول على ( كروسة) لا يصدق المشهد المؤلم والحزين ، وما تفعله الدنيا إذا ما استولت على العقول والقلوب وسودتها، وما تفعله في بني آدم... والله أعلم بخلقه لما قال في سورة النازعات ((فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا، فإن الجحيم هي المأوى)). صدق الله العظيم. 
نظر الناس جميعهم إلى الأب العليل والدموع تملأ عينيه، وبالكاد يتكلم وهو يرفع رأسه إلى السماء، داعيا بالسخط على ابنتيه هاتين في الدنيا والآخرة... تم تخليصهم من هذه العصابة من طرف شرطة المطار، ليتمموا رحلتهم، أما البنتان فقد قال في حقهم كل من كان حاضرا حينها ورأى ما يفعله الطمع في النفوس، ويعمي بصيرة الإنسان...فلا شك سيتكلف بهما الرحمان بسبب ظلمهما لمن وجبت في حقهما الرحمة والمحبة والإحسان. قال تعالى : ((وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه و بالوالدين إحسانا)) صدق الله العظيم. 
كتابة بقلم : ذ عبد الرحيم هريوى
موقع الأستاذ

موقع تربوي مستقل يهتم بجديد التربية والتعليم بالمغرب

للتواصل معنا يرجي زيارة صفحة تواصل معنا: موقع الأستاذ

قصة قصيرة: الطمع يعمي البصيرة... Reviewed by موقع الأستاذ on 1:45 ص Rating: 5 الطمع يعمي البصيرة... قصة قصيرة عاش السيد سعدون أيام طفولته فلاحا بنواحي سيدي بنور، ومارس ال...

ليست هناك تعليقات:

جميع الردود تعبّر عن رأي كاتبيها فقط.