قصة قصيرة: محنة المعلم جلال مع مفتشه...جلال ذلك الرجل الطيب... - موقع الأستاذ

728x90 AdSpace

آخر المستجدات
الثلاثاء، 10 مايو، 2016

قصة قصيرة: محنة المعلم جلال مع مفتشه...جلال ذلك الرجل الطيب...

محنة المعلم جلال مع مفتشه...جلال ذلك الرجل الطيب... 
محنة المعلم جلال مع مفتشه...جلال ذلك الرجل الطيب...
قصة قصيرة
قضى المعلم جلال عمره الطويل في إحدى المجموعات المدرسية ، بعدما تم تعينه هناك، حيث تخرج من مركز تكوين المعلمين والمعلمات بنجاح، وكله أمل ورغبة في العطاء والبذل، وهو الذي تشبع بأفكار حديثة مما سمعه من مكونيه عن عالم الطفل وحاجياته ومراحل نموه، وطرق تدريسه... وظل يرسم أشياء جميلة، في مخيلته عن عالم التدريس و عن المعلم وأدواره الجليلة في تحسين جودة التعليم والنهوض به... لكن أي شيء من ذلك لم يجده في الواقع، فتيقن أنه كان يمني نفسه بأشياء كثيرة، ستبقى سجينة ذاكرته الشخصية، لكنه لم يفقد الأمل بعد، رغم قضائه لما يزيد عن ثلاثة عقود يتنقل بين الأقسام و الحجرات، لكنه جلس ذات يوم وهو يفكر في عمره الذي أبلاه وهو يضحي من أجل أن ينير بعلمه للأطفال الصغار هذا العالم المظلم، لعل ما يقدمه لهم من علوم ومعارف تساعدهم على مواجهة تقلبات الدهر، وغدر الزمن... فتذكر قصصا كثيرة و غريبة مرت عليه، ففكر في تحويلها إلي منتوج أدبي يشاركه فيه جمهور القراء، حتى يكون عبرة ودروسا مفيدة للأجيال الحالية والقادمة حتى لا تقع فيها، وتزيد في تسويد صورة تعليمنا، أكثر مما هي قاتمة، وتحارب كل السلوكات الضارة والمشينة، في علاقاتنا الإدارية والتربوية، داخل أسرته الواحدة. 
المعلم جلال له تاريخه الشخصي في نيابته، و هو الذي لم يشارك في أي حركة تذكر، لا إدارية ولا انتقالية، ولم يغير إطاره.... لكنه معروف بإخلاصه في عمله، وحبه للطفل و عالمه، و يريد دائما أن يسعد أبناء العالم القروي، والذي كان يسميه جلال دائما خلال حديثه ومداخلاته الشيقة بالعالم المنسي، فما دمنا نسمع دائما أسطوانة فك العزلة عن العالم القروي، إذن فهو في عزلة دائمة ومستمرة ،و يحتاج إلى من يفك أسره وقيده والأغلال المحيطة به.... وجلال هذا ، يقطن بإحدى القرى البعيدة عن مقر عمله، و يتنقل يوميا عبر دراجته النارية، ذهابا وإيابا، في غياب وسائل نقل رسمية... مما يجعله يعاني من أنواع شتى من الأمراض... كما يعيش في تقشف دائما حتى يربي أكثر من أسرة ... 
وفي إحدى الليالي من أيام الأسبوع، ولعله يوم الخميس ، بات المعلم جلال منهمكا في تهييء دروسه اليومية، من خلال نسخ تحاضير كثيرة لفوجين كاملين أو أكثر ، حيث كان كل فوج يتعدى الثلاثين متمدرسا تقريبا، هذا مع أخذه لكومة من الكراسات و الدفاتر لتصحيحها لتكون جاهزة لنهار الغد، فجلال مطالب بالقيام بهذا العمل بشكل روتيني، ولا ينتظر العون من أحد، وهو يشعر بالسعادة وراحة الضمير لأنه يضحي من أجل الأبرياء، و ينتظر جزاءه من الذي قال في محكم تنزيله :اقرأ باسم ربك الذي خلق، خلق الإنسان من علق.) صدق الله العظيم... حضر صاحبنا كعادته باكرا إلى المدرسة، أدخل تلاميذته، وظل يلقي دروسه كالعادة، حتى حانت حصة الإملاء، فطلب من متعلميه التدرب عليه، بإعادة كتابة النص، تاركا لهم الاختيار، فهناك من يتدرب عليه على لوحته، أوفي دفتره المنزلي، لأنه بكتابته سيضرب عصفورين بحجرة واحدة، سيحسن خطه نحو الأفضل ويتعلم كتابة الكلمات بشكل صحيح دون رؤيتها ، وهذا يدخل في التعلم الذاتي للمتعلم ...جلس المعلم جلال على كرسه الخشبي الصلب لحظة ليجمع أنفاسه، فطل عليه رجل طويل الجسم، عريض المنكبين، ممتلئ الوجه ،من الباب المشرع... طل للمرة الأولى ثم اختفى...تم طل للمرة الثانية...لم يهتم جلال بالأمر ،وظل جالسا ،وهو الرجل الكهل و المتعب والمريض ،يتصارع بكل ما أوتي من قوة ليقوم بواجبه جهد المستطاع،ولا يكلف الله نفسا إلا وسعها ... فصاحبنا جلال لم يعرف شخصه، ولا سبب حضوره صباح يوم الجمعة، والذي يصادف السوق الأسبوعي بالقرية...تساءل في دواخله، فمن يكون يا ترى هذا الرجل الغريب عن البلدة؟ فهناك إدارة في مدخل الباب الكبير للمؤسسة ،و هذه هي مهمتها ، فلا يمكن لأي كان أن يدخل دون استئذان أو مصاحبة من طرف المدير...وكانت الأحداث تمر بشكل سريع.... تشجع هذا الرجل الغريب للمرة الأخيرة، و اقتحم الباب المشرع أمام الجميع... ما دام المعلم جلال ليس له ما يخزنه. (ما عدوش شي ذيب دايرو تحت القفة)... لم يتوقف حتى المكتب، و هو يمشي والأرض لم تسعه... تمالك جلال أنفاسه، وما زال يتساءل، من يكون هذا النكرة الذي اقتحم عليه قسمه، دون استئذان؟ فلو كان أحد أطرنا الإدارية أو التربوية، فهو يعرف الأصول، أكثر من غيره، وهو ينتمي لوزارة يمكن أن نسميها و زارة منظومة القيم، فالقيم و الأخلاق و الأعراف منبعها... مد يده إلى معلمنا جلال و هو يحمل محفظته الجلدية، وبعدها سأله مباشرة، ما هي المادة التي تقدمها الآن؟ هنا عرفه جلال بأنه السيد المفتش الجديد، و قد جاء للمجموعة المدرسية بطريقته الخاصة، و داس عن كل أساليب التواصل الأفقي، حتى يظهر للآخر بأنه شخص مهم، و أن مهمته هي أن يقوم بعملية تفتيش دقيقة، لكل صغيرة و كبيرة، ويكتبها في تقرير خاص، ستطلع عليه الجهات المسؤولة، وأن له كل الصلاحيات التقريرية في كتابة ما يشاء وكيفما شاء، ومتى شاء. ما دامت التشريعات والقوانين المنظمة للعلاقة بين المفتش و المعلم، تعطيه الضوء الأخضر، وما على المعلم إلا السمع والطاعة...و بعد هنيهة بدأ في إصدار أوامره للمعلم جلال. مدني بالمذكرة اليومية. (قلبها تقليب عداوات) و (فلا ليه التحاضر فليان عداواة) لعله يبحث عن أشياء كثيرة يريد أن يعزز به تقريره لا محالة سيكون تقريرا أسود، سواد ظلمة بعض القلوب التي أعماها الغرور. والدليل واضح وضوح الشمس، فمن خلال تسلله، ونوع دخلته، اتضح للمعلم جلال بأن هذا المفتش يحمل نية مبيتة... 
طلب من جلال بعدها بمده بسجل الغياب، لكنه أراد أن يوجه له أكثر من رسالة.... لا، لا...أعطيني سوى نسبة الحضور لشهر ماي فقط؟...وتواصلت طلباته ،كم مجموع عدد التلاميذ والتلميذات بهذا الفوج ؟وبالفوج الآخر؟.... الذكور منهم؟ الإناث؟ إنها عدة طلبات يراها السيد جلال زائدة، و تقنية... فالمفتش كان عليه المرور بالإدارة التربوية وستزوده بكل هذه المعلومات سالفا (بلا ما يسخسخ جلال المسكين ،و هو مسخسخ أصلا).... ولكن لمفتش مقاطعته رأي آخر. وهل هو لا يتوفر على البنية التربوية لجميع المدارس المشرف عليها؟ أم ليس له الوقت الكافي حتى يرجع إليها.... وبمزاجية كذلك طلب من الأستاذ جلال بأن يقدم له درسا في القراءة... 
شرع في تقديم درسه ، حيث طلب المعلم جلال من متعلميه جمع كل شيء أمامهم ،ونزولا عند رغبة السيد المفتش، أخرجوا كتب القراءة حتى يتابعه و هو يلقي حصته من ألفها إلى يائها، و يدون بذلك ملاحظاته و يقدم توجيهاته، وإن كانت هناك توجيهات أصلا لدى مفتشه، ويا ليتها كانت موضوعية ! و يا ليتها كانت في محلها! و يا ليتها ستساعد جلال على تصحيح ما يمكن تصحيحه! و المعلم جلال معروف عليه في وسطه التعليمي بغزارة اطلاعه و اهتمامه الكبير بكل المستجدات في ميدانه..... فجلال هذا دخل للتعليم بالسلم8 وهو الآن في السلم11، ولم يسبق له أن ترقى بواسطة الأقدمية.... وله أصدقاء لم ينجحوا في الترقية إلي السلم10، وهم الآن مفتشون (لما كانت الشمة بقطيع النيف)،وفي زمن جلال كان النجاح بالامتحان إلى السلم العاشرة لا يتعدى العشرة... 
ظل المفتش يكتب ويكتب وعادة ما يرفع رأسه ليلاحظ ما يجري حوله، حتى ينقل الحقيقة بل الأمانة التي أوكل بها، لكن السيد المفتش له رأي آخر....فلا أحد سيعرف أكثر منه، إن تقريره هو عصا يهش بها متى شاء وكيفما شاء، وبالطريقة التي يحب... انتهى جلال من حصته.... الحمد لله التلاميذ والتلميذات كلهم استطاعوا القراءة بشكل جيد وتجاوبوا مع معلمهم جلال ،و الذين يحبونه بصدق ،ويعرفون تضحياته معهم قبل أي شخص آخر... و من خلال مشاركتهم، وإيجاباتهم الصحيحة عن جل الأسئلة المطروحة عن النص، وأحداثه وشخصياته... لكن نية المفتش كانت مبيتة، فقد نهض فجأة من فوق كرسيه الخشبي بطريقة مستفزة، ليزعج بها الأطفال الصغار، وتوجه بيديه ليختار منهم من تظهر على ملامحه بأنه يعاني من أكثر من تعثر، فيطلب منه بأن يقرأ، و بأسلوب لا يخلو من سلطوية، مما يجعل باقي الأطفال يشعرون بالخوف، من خلال سلوك إطار تربوي كونوه وعلموه أشياء كثيرة في مركز التفتيش، لكنه جمعها في مذكراته لتبقى لذكرى فقط لأنها لا تفيده في عمله ،ولا تتماشى مع أسلوبه التحكمي ...فهو الآن قد صنع من شخصه عنصرا آخر يعيد ما عاشه هو ،وما عاناه من قهر وتسلط وتجبرفي الماضي على يد مفتشين سبقوه.... تكلم المفتش غاضبا في وجه المعلم جلال (ما شي معقول هذ الشي الدراري ما قارين و الوا) لم يفهم المعلم جلال من كلام المفتش شيء يذكر، لم يقتنع بما قاله المفتش، مما جعله يرد عليه، ما معنى كلامك ؟ و ضح أكثر؟ هل تقصد بأنني غير مؤهل ولست في المستوى، في نظرك؟ هل طريقة إلقائي لم ترقك؟ وهل أنت دونت ملاحظات ما في تقريرك يمكن لك أن تخبرني بها، ونناقشها معا؟ ونبحث معا عن خطة أو طريقة ، سميها ما شئت ،لنعالج ما يمكن معالجته. هل وهل.... وهل.... ؟ لكن للأسف ليس لسيد المفتش الوقت الذي يضيعه مع جلال ...كما ليست له الشجاعة البيداغوجية للمناقشة والاستماع لرأي الآخر ...لرأي المخالف لمزاجه طبعا، و حتى يضع مع المعلم جلال النقط على الحروف؟ فحتى إذا ما ظهرت لك فئة ضعيفة داخل المجموعة، أستاذ، فاعلم بأننا كلنا نتحمل المسؤولية، في انقاذها، أنت بتوجيهاتك وبخطتك البيداغوجية، وأنا ما علي إلا التنفيذ والتقييم والتتبع والمعالجة...وهذا العمل طبعا ينكب المعلم جلال على تنفيذه لوحده سابقا ،لمساعدة الأطفال المتخلفين والمتعثرين ... لكن المفتش لا يقدر على المواجهة في مثل هذه المساحات... إنه يفضل الهروب إلى الأمام، ويحمل المسؤولية المباشرة للمعلم جلال، ويبرئ نفسه، وذلك باعتبار المعلم جلال يتخاذل في عمله، وبأنه رآه جالسا على الكرسي، وعندما فاجأه وجده يفعل كذا وكذا وكذا...المهم (وخا طارت معزة)...فالمفتش في الماضي كان دائما يبحث للمعلم عن شئ أو أكثر يعتبره مطية ليمسح به الأرض ،حتى ولو أمام متعلميه...لهذا جلال تأكد أخيرا بأن هذا المفتش لا تظهر عليه علامات تبشر بالخير إطلاقا ( وبأنه ناوي على خزيت).... وأنه مستهدف من خلال ما باح به من أشياء بدت له غريبة، ولا علاقة لها بالدرس ولا بالتدريس... عرف و تيقن بأنه قد تم تحريضه أوشحنه من جهات معينة، حتى (يوريهم حنة يديه، في هاذ المعلم، لمعارت أش ظان راسو)... عاد المفتش أدراجه وهو يحمل في نفسه شيء من حتى.....فكله حقد وغل على صاحبنا المعلم جلال، و اتضح فيما بعد بأنه مستهدف وبأن هذه سوى بداية المسلسل الدراماتيكي... لكن المعلم جلال ليس بالحائط القصير، الذي ظن المفتش، بأنه سيمسح به الأرض عند أول زيارة...مما جعله يعاود زياراته المتكررة، لكنه لا يجد ما يفيده في تحقيق ما يخطط له من وراء الستار، لنيل من صاحبنا جلال ...فجلال فطن بالخطر الداهم ،و اتخذه عدوا يريد به شرا، لذلك فهو يفكر الآن كيف سيحمي نفسه من الشطط عبر القنوات القانونية والإدارية؟ وهو الذي انخرط في النقابة الوطنية للتعليم، لما كانت(الشمة بقطيع النيف)... 
عاد المفتش إلى بيته، وهو يحمل الغل والحقد الدفين للمعلم جلال ، بعدما التقى بمدير المدرسة في الطريق، و الذي كان في زيارة لإحدى الفرعيات التابعة له، فأراد أن يستميله إلى جانبه، ليكون له حلفا مصغرا ،يستطيع أن ينتصر بواسطته على خصمه اللذوذ ، وحتى لا تعطي رائحة شططه في استعمال سلطته التقديرية، و ينال مراده ، و بذلك سيجعل المعلم جلال تحت رحمة ما يفكر فيه... لكن المديركان له ضميرا حيا، وكان على قد المسؤولية، ولم يشهد إلا بالحق، ففاجأه قائلا له (الله يا ودي السي جلال من خيرة المعلمين لعدي.... لا لا كاين شي سوء تفاهم ). في تحد قل نظيره لمثل هؤلاء أشباه المفتشين... والذي ظل حلمه الوحيد في وزارة التربية الوطنية هو أن يجتاز الامتحان كل مرة حتى يلج مركز التفتيش بالرباط، ليصبح مفتشا في سنة كذا، وبنيابة كذا، و يصبح له اسمه على الورق، و ينطلق في تفتيش كل شيء، وبأي طريقة شاء، وكأنه ينتمي لقطاع المالية، وليس لقطاع التعليم، وحتى تهابه كل الأطر التي تشتغل تحت آمرته، و الكل لا يرد عليه كلامه (كلامو ديما هو الزوين، وكلام المعلم ديما ناقص)... المعلم في نظر مثل هؤلاء المفتشون سوى تلميذ كبير، يدرس تلاميذا صغارا، ويجب أن يبقى تحت رحمته و يطيعه طاعة عمياء، و لا يحب أن يسمع منه سوى (السي فلان... نعم أسي فلان... إيه نعم آسي فلان)... إنها حقائق فهمها معلمنا جلال بعدما أخرج كل أسلحته ليدافع عن نفسه، وكرامته التي يعتز بها، أمام الهجمة الشرسة لهذا المفتش، فاطلع على سيرته الشخصية و سجله الماضي كاملا ،و أنوع معاملاته، وكل ما له علاقة بعلاقاته القديمة والجديدة مع أصدقائه القدماء منهم أو الجدد، فتأكد له بالملموس بأن وضعه الاجتماعي والأخلاقي ليس على ما يرام، و بأنه كان يعاني من تسلط وتجبر وقهر المفتشين وهو معلم في القسم ، وفعل كل ما في وسعه ليصبح هو أيضا مفتشا ويعيد نفس الأسلوب السلطوي والديكتاتوري الذي مورس عليه، لكنه قد أخطأ التقدير لقلة ثقافته، فالسلطة و أنوعها وأشكالها لها ارتباط وثيق بالنظام الحاكم... فالآن أسلوب السلطة تجاوز لغة الرصاص، و التحكم والقهر...وانتقل إلى لغة الانصات وجبر الضرر، ومشاركة الآخر في التدبير والتسيير و الحكامة و توفير الحقوق الاجتماعية والاقتصادية للمغاربة من خلال أكثر من مؤسسة... 
لم يأبه المفتش بما قاله المدير عن المعلم جلال، وهو الذي يعتقد داخل قرارة نفسه بأنه الآمر الناهي، وما على المدير سوى النزول عند رغباته وطموحاته في تدمير مثل هؤلاء المعلمين العصامين الذين يقولون لا و ألف لا، لأشباه المفتشين، فشعر صاحبنا بأن المعلم جلال ظل متمالكا أعصابه وواجه المفتش بنفس الأسلحة التي أخرجها، وشعر بأن سلطته اهتزت، ولا بد أن يعيد الاعتبار لشخصه، و يدوس على كرامة هذا المعلم المخلص الذي أفنى عمره في البذل والعطاء ليعثق أبناء الشعب الفقراء بالفيافي من براثين الجهل و الأمية... لكن أمثال هؤلاء المفتشون ربما بدأوا ينقرضون، بدخول جيل من الشباب... فلا يهمهم سوى أنفسهم ولا يهتمون بمستقبل هؤلاء التلاميذ والتلميذات إلا في تقاريرهم واجتماعاتهم فقط. 
حرر المفتش تقر يره الأسود، وما قاله في المعلم جلال لم يقله عدو في عدوه، ليظهر للآخر كل الأشياء القبيحة فيه، ويهيئ جسمه للمشنقة، ويتلذذ بصنيعه مع أصدقائه المقربين منه، عندما يحكي لهم كلما التقى بهم عن فعلته الشنيعة ضد هذا المعلم، ليكون عبرة لمن سولت له نفسه معاملة المفتش كشخص عادي مثله مثل الحارس والمدير وغيره...فلا بد من الانبطاح أمام هذا المفتش، أمام هذا الوافد الجديد لنيابتكم، فليبلغ منكم الشاهد الغائب... توصل جلال بالتقرير السيء الذكر و الكتابة و المضمون ثم أعاد قراءته وبعدها تساءل مع نفسه... لله عليكم كيف استطاع مثل هؤلاء أن يلجوا إلى مركز التفتيش؟... و حتى يجعلوا قطاعا برمته تحت نزواتهم ورغباتهم، ولا يقدرون المهمة التي كلفوا بها؟... أخذ المعلم جلال تقريره، وهو يردد مع نفسه، حسبي الله ونعم الوكيل. و قعه تم استشار مع المدير الذي أخبره بأنه دافع عنه، و بأن قال فيه كذا وكذا (ولكن تيبان لي هذاك المفتش مفهمتوش أنا بعدا، ما كيسمع عا الراسو ) ازداد يقين المعلم جلال بأن مع مثل هؤلاء، لا تنتظر منهم سوى الأسوء (وكبرها تصغار)... 
فكر المعلم جلال عن أكثر من وسيلة يحمي بها نفسه من هذا الشطط، فقام بزيارة خاطفة إلى رئيس المصلحة التربوية، وجلس يحكي له قصته من بدايتها حتى نهايتها، وذكره المعلم جلال بأنه منخرط في جميع الأوراش التي فتحها النيابة الاقليمية ، من خلال عدة مشاريع و أن سمعته تسبقه، لكن ما في الأمر أن هذا المفتش له نية مبيتة، أو أنه محرض من طرف بعد الأشخاص الذين يريدون مضغ الثوم بفمه، لكن رئيس المصلحة تأكد حقا من كلام المعلم جلال لما قرأ التقرير الأسود، فهذا التقرير يريد به صاحبه رأس المعلم ولاشئ غيره، وطمأنه بأنه سيقف إلى جانبه ليدافع عنه، لكن المعلم جلال عرف بأنه في حرب من نوع خاص، ولا يمكن لأحد أن يردع مثل هؤلاء المتسلطين والمتجبرين إلا من هم أقوى منهم، فلجأ إلى نقابته التي كانت عتيدة في زمانها لتقف إلى جانبه وتحميه من شطحات هذا الشخص، مما جعل جميع الفعاليات التربوية والنقابية في النيابة تتضامن معه، وتدافع عنه، ورتبوا لقاء مع السيد النائب وأصبحت القضية تتداولها الألسن على صعيد كبير... وأصابع الاتهام كلها تتجه إلى نوع الأسلوب والطريقة التي سلكها هذا المفتش لتركيع المعلم جلال، لكن هذا الأخير ظل متشبتا بحقه في العيش الكريم،لأنه يكره الذل كيفما كان نوعه ،لآنه هكذا كانت تربيته ،وهو يمررها للأجيال ... واستعمل كل الطرق المضادة لفضح أهداف هذا المفتش الجديد، الذي اعتاد على أسلوبه القديم في نيابات أخرى، وأراد أن يجربه مع المعلم جلال، لكنه ذكره بأنه ما زال من أسرة التعليم، من يقول لا لكل من خولت له نفسه الدوس عن كرامة الآخر بأي طريقة كانت(فمتى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرار) ... 
فهو ربما دخل إلى مركز التفتيش بالرباط معلم، وخرج منه معلم، ومهما فعل، ومهما غيروا له اسم الإطار، (فالأول علاش تعول)... فالمعلم علال يحب أن ينادي عليه الآخر بكلمة معلم، دون أن يشعر بضيق ما، لأن حمولة الكلمة لها وزنها وثقلها الأخلاقي والقيمي عبر العصور التاريخية للمجتمعات الانسانية. 
لكن المعلم جلال ظل يكره اليوم الذي رأى فيه مثل هؤلاء الأشخاص الذين لا يمتون بمهنة التفتيش بصلة، و لا يطبقون ما تعلموه وما تلقوه من تكوين في مراكزهم، فأين هو التعامل الانساني؟ وأين هي العلاقة التواصلية الأفقية ؟ وأين هي المساعدة المقدمة للمعلم؟ وأين هو التوجيه والإرشاد، وحل المشاكل عن قرب، وعن طريق المشاركة؟ وأين و أين؟ كلام تعلموه ليجتازوا به الامتحانات ويتم تعينهم، ليصبحوا مفتشين فقط،( ويديروا فيها سبوعا) لكن هيهات، هيهات، فالمغاربة لهم مثل شعبي يقول:(لحمية كتغلب السبع)... . 
خريبكة يوم:الاثنين09/ماي/2016 
كتابة بقلم :ذ عبد الرحيم هريوى
موقع الأستاذ

موقع تربوي مستقل يهتم بجديد التربية والتعليم بالمغرب

للتواصل معنا يرجي زيارة صفحة تواصل معنا: موقع الأستاذ

قصة قصيرة: محنة المعلم جلال مع مفتشه...جلال ذلك الرجل الطيب... Reviewed by موقع الأستاذ on 10:20 م Rating: 5 محنة المعلم جلال مع مفتشه...جلال ذلك الرجل الطيب...  قصة قصيرة قضى المعلم جلال عمره الطويل في...

هناك تعليق واحد:

  1. ربما الدور اقترب من نقله من مستويات النقاش التربوى والبيداغوجى العام الى تشريح العلاقات التربوية بين المفتش والمربى.هل هى بدايات لصراع جيو استراتجى؟ او نقلة مفاهمية لحاجيات المهنة.انه بحكم التجربة الطويلة فى المهنة. والاحساس بالمعاناة .وادراك خفايا المهنة.تجعل مستويات النقاش التربوى بين اللاستاد والمؤطر ياخد ابعادا تنزلق فى متاهات التضادوالاحادية فى الرأي بدل العمل الجماعى والتشاركى فى منظومة التربية المترامية الاطراف على مستوى الفهم والتطبيق. تحياتى للمفتشين والاساتدة.....

    ردحذف

جميع الردود تعبّر عن رأي كاتبيها فقط.