البناء الفكري: من تكريس روح الاختلاف إلى توحيد المفاهيم الأساس - موقع الأستاذ

728x90 AdSpace

آخر المستجدات
السبت، 11 يونيو، 2016

البناء الفكري: من تكريس روح الاختلاف إلى توحيد المفاهيم الأساس

البناء الفكري: من تكريس روح الاختلاف إلى توحيد المفاهيم الأساس
عبد الحفيظ زياني
عبد الحفيظ زياني
لقد عمت وانتشرت بعض الأمراض المجتمعية، ذات العلاقة الوثيقة بالسلوكيات والمهارات والمواقف، إنها تندرج ضمن بناء الشخصية الفردية، ماهي عليه وما يجب أن تكون، وعلى مستوى الاصطلاح العام فهي تنبني على أساسيات، من قبيل: اللغة، الفكر، المفاهيم.
من الغرابة بمكان أننا لا نقوى على مصالحة الذات، والتعبير عن أفكارنا بلغة صريحة، واضحة، لمجرد أننا غير واثقين أنها ستحظى بالقبول، نعيش أفكار الغير ونعبر عنها بلغتنا الخالصة، نقصد أشياء ونعبر عن أخرى، نعيش تارة انفصاما بين اللغة والفكر حين تعجز اللغة عن مواكبة الأنا، وتارة أخرى، يحدث الخصام بين المفاهيم التي يتم توظيفها وبين اللغة، حين نعمل على تبني مفاهيم نمطية، لمجرد أنها متداولة.
حين نعبر عن فكر الأخر بلغتنا نحن، فيتم التداول لمفاهيم قد لا نؤمن بها، نعيش خصاما على مستوى الهو و الأنا، نقصي ذواتنا ونتقمص شخصية الأخر، نظهر الزائف ونخفي الخالص، خوفا من كونه سيتلقى الرفض، نردد لغة ليست لنا، محاولة منا إظهار التميز والتباهي، كأن للأخر ميزة لا نتملكها، نلهث وراء كل ما يباركه المجتمع حتى وإن كان يناقض المبادئ والقيم، نعيش مدينين لثقافة الأخر هروبا من ذواتنا، رافضين لهويتنا، نبحث عادة عن الاختلاف، ونتغدى على أفكار الغير، إنها أزمة مصالحة مع الذات يترجمها صراع داخلي مرير.
في كثير من الأحيان تتجه السلوكات والمواقف التي تعكس شخصية الفرد نحو ما يرضي الأخر، متجاهلين أن التنوع على مستوى الأفكار والتوجهات دليل على إعمال الفكر، بعيدا عن التقليد الذي يقصي دور العقل الإنساني ويجعله بعيدا كل البعد عن الإنتاجية، بل ويفقد الذات الإنسانية كينونتها ولدة وجودها.
إن المسألة لا تعدو أن تكون مسألة غياب هوية فكرية، الذي يخلق الارتباك على مستوى الذات الإنسانية، ويجعل الآراء تتسم بطابع جمعي إلزامي، ويضفي عليها صبغة التقريرية، فيفرضها على الجميع حتى و إن جانبت الصواب، و الأخطر أنها قد تتحول إلى حقائق ثابتة لا تقبل الجدال و لا النقد، فكم من أخطاء تكرست لفترات من الزمن لأن الجميع يأخذها محمل الجد و من تم فهو يزكيها، و كم من أفكار صحيحة لم يكتب لها التداول لاتصافها بصفة الفردانية و الوحدوية، فلم تجد صداها.
تعد الآراء، المفاهيم، والأفكار الأكثر تداولا هي الأصح بقوة العادة والتكرار، وبمباركة قوانين الطبيعة وأعرافها، أما تلك التي لا يزكيها المجتمع لاختراقها للطابوهات فإنه يحكم عليها بالبطلان والكساد. 
لا بد من التمييز في هذا المقام بين أنواع المحرمات في المجتمع، بقطع النظر فإننا لا نقصد الجانب الأخلاقي، فهو قار وثابت حتى وإن اختلفت البيئة والزمن، فالأخلاق لا مكان لها ولا زمان.
إن المواقف و الأحداث المتكررة هي المحك المحدد و المنتج للمفاهيم والاصطلاح، مما يدل على أنها دلالات ألفاظ و مسميات أشياء تنسجم مع الإدراك الحسي و العقلي، غير أنها تختلف درجة ضبطها واستيعابها باختلاف الثقافة والبيئة .
لعل نسبية مفهمة الأشياء توضح بجلاء الاختلاف بين الأفراد بفعل عوامل كثيرة من قبيل تنوع المهارات و القدرة على التحليل و الربط المنطقي بالإضافة إلى المستوى المعرفي و الثقافي المنتج لفلسفة الحياة، فحاليا أصبحت المفاهيم المشوهة سائدة بامتياز، بشكل باتت تعكس بوضوح مستوى عجز الفرد على بناء فكر له أسسه و قواعده، لافتقاره لأساليب البحث و النقد الذاتي المساهم في بلورة وعي ومعرفة تتجدد بتجدد الظروف و تغير الملابسات.
لعل إشكالية تصدع المفاهيم ليست سوى انعكاس للفوضى الفكرية التي تعكس وضعية المتناقضات، والخلط الاصطلاحي يجعل من الصعوبة بمكان صنع معرفة بدون تشوهات، لينجلي واضحا انتشار ثقافة الاختلاف، لغياب مرجعية مفاهيمية مشتركة أو حتى متقاربة، بل غالبا ما تكون متناقضة تماما.
لا جرم إذا أن الخلط في المفاهيم المعبرة عن المبادئ العامة، هذه المفاهيم التي تعتبر الركيزة الأساس لصنع عالم الأفكار، و التي تعكس الإجماع على مستوى القيم والمواقف، والاختلاف السلبي في معايير و أليات التفكير، وعدم توحيد المنطلقات و الأسس، و الهوة الناجمة عن تباعد كلي للرؤى، و تضارب مسميات الأمور، و طغيان الخلفيات، وغياب الصراع الفكري المنتج للتنوع، وتضخم الذات، و تغليب النرجسية و الأنا، تعد كل هذه العوامل من أخطر المسببات لأمراض المجتمع التي تبتعد كل البعد عن منطق التفكير السليم، فتغيب القدرة على التحليل و الانتاج، والسبب الرئيسي والحاسم تشوه مفاهيمي، والنتيجة فقدان التوازن لكل لا يتجزئ من منظومة شمولية ذات مكونات من قبيل : روح الاختلاف، توحيد المفاهيم الأساس، ثم بناء فكر.
موقع الأستاذ

موقع تربوي مستقل يهتم بجديد التربية والتعليم بالمغرب

للتواصل معنا يرجي زيارة صفحة تواصل معنا: موقع الأستاذ

البناء الفكري: من تكريس روح الاختلاف إلى توحيد المفاهيم الأساس Reviewed by موقع الأستاذ on 3:48 ص Rating: 5 البناء الفكري: من تكريس روح الاختلاف إلى توحيد المفاهيم الأساس عبد الحفيظ زياني لقد عمت وانتش...

ليست هناك تعليقات:

جميع الردود تعبّر عن رأي كاتبيها فقط.